الأموال الساخنة تعيد تشكيل سياسات البنوك المصرية لحماية الاحتياطي النقدي واستقرار الجنيه
في وقت تواجه فيه الأسواق الناشئة موجات متلاحقة من التقلبات العالمية، عادت “الأموال الساخنة” لتفرض نفسها بقوة على المشهد الاقتصادي، خاصة بعد التراجع الملحوظ في صافي الأصول الأجنبية داخل الجهاز المصرفي خلال مارس الماضي.
وبينما تتحرك البنوك المركزية حول العالم بحذر في مواجهة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة، تبدو البنوك المصرية مطالبة بإدارة أكثر مرونة للتدفقات الدولارية لحماية سوق الصرف والحفاظ على استقرار الاحتياطي النقدي.
في هذا الصدد، أكد طارق متولي الخبير الاقتصادي أن التحركات الأخيرة في صافي الأصول الأجنبية تعكس بصورة مباشرة تأثير استثمارات الأجانب في أدوات الدين قصيرة الأجل، وعلى رأسها أذون الخزانة، موضحًا أن البنوك أصبحت تتعامل مع هذه التدفقات باعتبارها أداة مزدوجة، توفر سيولة دولارية سريعة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر الخروج المفاجئ.
البنوك تتحول إلى خط الدفاع الأول
وأوضح متولي أن البنوك التجارية باتت تحتفظ بجزء كبير من استثمارات الأجانب في صورة توظيفات قصيرة الأجل، بهدف توفير سيولة فورية تمكنها من مواجهة أي عمليات تخارج مفاجئة دون الضغط المباشر على الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي.
وأشار إلى أن تجربة عام 2022 أعادت صياغة استراتيجية القطاع المصرفي بالكامل، بعدما تسبب خروج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة في تسجيل صافي الأصول الأجنبية مستويات سالبة، الأمر الذي انعكس بقوة على سوق الصرف وخلق ضغوطًا حادة على الجنيه.
وأضاف أن الدرس الأهم الذي خرجت به المؤسسات المصرفية من تلك الأزمة يتمثل في ضرورة وجود أدوات امتصاص سريعة للصدمات، بحيث تتحمل البنوك الجزء الأكبر من تقلبات التدفقات الأجنبية قبل انتقال التأثير إلى الاحتياطي النقدي أو سوق العملة.
فجوة دولارية مستمرة رغم تحسن بعض الموارد
ورغم التحسن النسبي في بعض مصادر النقد الأجنبي، يرى متولي أن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه فجوة واضحة بين الالتزامات الدولارية والإيرادات المتدفقة من الخارج.
وأوضح أن تحويلات المصريين بالخارج لا تزال تسجل مستويات قوية، إلى جانب الأداء الإيجابي لقطاع السياحة خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن هذه التحسنات يقابلها تراجع ملحوظ في إيرادات قناة السويس، فضلًا عن ارتفاع فاتورة الواردات خاصة المنتجات البترولية والطاقة.
وأشار إلى أن الدولة تعتمد بصورة جزئية على التمويلات الخارجية وبرامج الدعم الدولية، بالإضافة إلى العودة للأسواق العالمية عبر طرح السندات، من أجل سد الفجوة التمويلية والحفاظ على استقرار السيولة الدولارية.
تراجع الأصول الأجنبية يثير القلق
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري تراجع صافي الأصول الأجنبية بنحو 6.1 مليار دولار خلال مارس الماضي، ليسجل نحو 21.3 مليار دولار مقارنة بـ27.4 مليار دولار في فبراير.
وجاءت البنوك التجارية في صدارة التراجع، بعدما انخفض صافي الأصول الأجنبية لديها بنحو 5.9 مليار دولار، بينما تراجع رصيد البنك المركزي بنحو 130 مليون دولار فقط.
كما كشفت البيانات عن انخفاض الأصول الأجنبية الموظفة بالخارج لدى البنوك التجارية إلى 39.4 مليار دولار، مقابل ارتفاع الالتزامات بالعملة الأجنبية إلى 33.6 مليار دولار، وهو ما يعكس استمرار الضغوط الناتجة عن تحركات المستثمرين الأجانب والتغيرات السريعة في الأسواق العالمية.



