رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. ولاء عابد تكتب: دبلوماسية الأثر.. كيف أعادت زيارة ماكرون تقديم صورة مصر للعالم؟

تفصيلة

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر مجرد محطة دبلوماسية تقليدية تضاف إلى سجل العلاقات التاريخية بين البلدين بل بدت وكأنها نموذج معاصر لكيفية صناعة الصورة الذهنية للدول في القرن الحادي والعشرين. 
فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم المؤتمرات الرسمية بل أصبحت ترتبط بقدرة الدولة على تصدير “الأثر” ذلك التأثير الهادئ الذي يتشكل في وعي الشعوب قبل أن يترجم في دوائر السياسة والاقتصاد.

من هنا جاءت تفاصيل الزيارة محملة برسائل تتجاوز البروتوكول السياسي المعتاد. 
فمشهد الرئيس الفرنسي وهو يمارس رياضة الجري صباحا على كورنيش الإسكندرية لم يكن مجرد لقطة عابرة بل رسالة غير مباشرة تعكس حالة الاستقرار والأمان التي يعيشها الشارع المصري. 
وفي عالم باتت الصورة فيه أكثر تأثيرا من التصريحات الرسمية تحولت هذه اللحظة إلى نموذج عملي يعرف بـ”التسويق بالنموذج” حيث تصبح الممارسة الواقعية أبلغ من أي حملات دعائية أو خطابات سياسية.

لقد أدركت الدول الكبرى منذ سنوات أن بناء الثقة الدولية لا يتحقق فقط عبر المؤشرات الاقتصادية أو التحركات الدبلوماسية بل من خلال “الصورة الإنسانية” التي تنقلها تفاصيل الحياة اليومية. 
ولذلك فإن ظهور رئيس دولة كبرى وسط المواطنين في مشهد طبيعي وعفوي يرسل إلى العالم رسالة مفادها أن مصر ليست فقط دولة ذات ثقل سياسي بل بيئة مستقرة قادرة على احتضان السياحة والاستثمار والحياة الطبيعية بثقة وطمأنينة.

ولم تتوقف رسائل الزيارة عند حدود المشهد الإنساني بل امتدت إلى بعد أكثر عمقا يرتبط بالقوة الناعمة وصناعة المستقبل. 
فقد مثل افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور بمدينة برج العرب الجديدة تأكيدا واضحا على أن معارك النفوذ الحديثة لم تعد تحسم بالقوة الصلبة وحدها بل بالاستثمار في المعرفة وبناء الإنسان. 
واختيار مصر لاحتضان هذا الصرح الأكاديمي الدولي يعكس ثقة متزايدة في دورها كمركز إقليمي للتعليم والتدريب وإعداد الكوادر القادرة على قيادة ملفات التنمية في القارة الأفريقية.

كما أن الحضور الرفيع لمسؤولين أفارقة ودوليين خلال الافتتاح كشف عن بعد استراتيجي أوسع يتمثل في إعادة تموضع مصر كحلقة وصل حقيقية بين أفريقيا وأوروبا والبحر المتوسط. 
وهنا تتجلى أهمية “دبلوماسية التعليم” التي أصبحت إحدى أكثر أدوات التأثير استدامة في العالم الحديث لأنها تبني النفوذ عبر العقول لا عبر المصالح المؤقتة فقط.

وفي سياق متصل عكست المباحثات السياسية التي صاحبت الزيارة مستوى متقدما من الثقة المتبادلة بين مصر وباريس خاصة في ظل الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تطورت بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. 
وقد بدا واضحا أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى مصر باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وقوة قادرة على لعب أدوار متوازنة في ملفات شديدة التعقيد بدءا من قضايا الشرق الأوسط ووصولا إلى التحديات المرتبطة بأمن البحر المتوسط وأفريقيا.

إن القيمة الحقيقية لمثل هذه الزيارات لا تكمن فقط في نتائجها السياسية المباشرة بل في قدرتها على إعادة تشكيل الإدراك العالمي للدولة. 
فالدول الحديثة لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات بل بقدرتها على إدارة صورتها الذهنية وصناعة الانطباع الإيجابي طويل المدى. 
ومصر من خلال هذه الزيارة قدمت نموذجا متكاملا لدولة تجمع بين الأمن والاستقرار وبين الانفتاح الحضاري والاستثمار في المعرفة وبين عفوية الشارع وهيبة المؤسسة.

وهكذا لم تكن زيارة ماكرون مجرد لقاءات رسمية أو مراسم دبلوماسية معتادة بل كانت درسا عمليا في “دبلوماسية الأثر” حيث تبدأ الرسالة من صورة بسيطة في شارع هادئ ثم تمتد إلى قاعات العلم وصناعة المستقبل لتؤكد أن قوة الدول الحقيقية لم تعد تبنى فقط بالسياسة بل بقدرتها على ترك أثر يبقى في الذاكرة أطول من أي خطاب.

تم نسخ الرابط