بين الرحمة وحماية المجتمع.. كيف يمكن مواجهة أزمة الكلاب الضالة دون التخلي عن الإنسانية؟
تحولت قضايا الرفق بالحيوان خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الملفات إثارةً للنقاش داخل المجتمع، خاصة مع تصاعد الجدل المرتبط بانتشار الكلاب الضالة في الشوارع والمناطق السكنية، وما يترتب على ذلك من مخاوف تتعلق بالسلامة العامة من جهة، والدعوات إلى حماية حقوق الحيوانات وعدم إيذائها من جهة أخرى.
وبين المطالبات بتشديد الإجراءات لحماية المواطنين، والدعوات التي تنادي بالتعامل الإنساني مع الحيوانات، يبرز سؤال أساسي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الرحمة بالحيوان وضمان أمن الإنسان وسلامته؟
ويرى متخصصون ونشطاء في مجال حقوق الحيوان أن الأزمة لا يمكن التعامل معها بمنطق الصدام أو الانحياز لطرف على حساب الآخر، بل من خلال رؤية متوازنة تجمع بين البعد الإنساني والأسس العلمية والإدارة الواعية، بما يحقق حماية المجتمع ويحافظ في الوقت نفسه على قيم الرحمة والرفق بالمخلوقات.
الرحمة مفهوم شامل لا يقتصر على الإنسان وحده
وفي خضم هذا الجدل، أكدت براء المطيعي الناشطة في مجال حقوق الحيوان أن مفهوم الرحمة لا ينبغي اختزاله أو التعامل معه بصورة انتقائية، موضحة أن الرحمة الحقيقية تمتد لتشمل الإنسان والحيوان وسائر الكائنات، باعتبارها قيمة إنسانية وأخلاقية متكاملة.
وأشارت إلى أن المجتمعات المتحضرة لا تقيس إنسانيتها فقط بطريقة تعاملها مع البشر، بل أيضًا بكيفية تعاملها مع الكائنات الأضعف، مؤكدة أن الرفق بالحيوان لا يتعارض مع حماية الإنسان، وإنما يتكامل معها إذا جرى التعامل مع الملف بصورة متوازنة وعقلانية.
وخلال مشاركتها في برنامج خط أحمر الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، شددت براء المطيعي على أن أي حديث عن الرفق بالحيوان يجب أن يبدأ أولًا من الحفاظ على حياة الإنسان وسلامته، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة ببعض الحوادث التي تتسبب فيها الكلاب الضالة.
وأوضحت أن الاعتراف بحق الإنسان في الأمان لا يعني تجاهل حقوق الحيوان أو الدعوة إلى إيذائه، بل يتطلب الوصول إلى معادلة تحقق التوازن بين الطرفين، من خلال حلول علمية وتنظيمية تراعي جميع الأبعاد الإنسانية والصحية والاجتماعية.
أزمة الكلاب الضالة تحتاج إلى حلول علمية لا انفعالية
وأكدت الناشطة في مجال حقوق الحيوان أن المبالغة في التعامل العاطفي مع هذه القضايا قد تؤدي إلى نقاشات غير موضوعية، لافتة إلى أن بعض الأطروحات تعتمد على ردود فعل انفعالية بعيدًا عن الواقع العملي والتحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع.
وأضافت، أن التعامل مع ملف الكلاب الضالة يجب أن يستند إلى خطط مدروسة تقوم على أسس علمية وإدارة رشيدة، وليس فقط على المشاعر أو المواقف المتشددة، سواء ضد الحيوانات أو ضد النشطاء المدافعين عنها.
ويرى خبراء أن معالجة الظاهرة تتطلب تطوير برامج فعالة تشمل التعقيم، والتطعيم، وإنشاء مراكز إيواء مناسبة، إلى جانب حملات التوعية المجتمعية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والأمنية بصورة إنسانية ومستدامة.
وتزايدت خلال الفترة الأخيرة الدعوات إلى إنشاء منظومة متكاملة للتعامل مع الحيوانات الضالة، بحيث لا يقتصر الأمر على الحلول المؤقتة أو الإجراءات العشوائية، بل يمتد إلى وضع سياسات طويلة المدى تعتمد على التعاون بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والأطباء البيطريين والمتخصصين.
ويؤكد المهتمون بالملف أن غياب التنظيم الواضح يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم الأزمة، سواء من خلال زيادة أعداد الحيوانات الضالة أو تصاعد التوتر المجتمعي بين المؤيدين والمعارضين لطرق التعامل معها.
كما يشددون على أهمية إنشاء «شلاتر» ومراكز إيواء مجهزة بصورة مناسبة، تضمن الرعاية الصحية والغذائية للحيوانات، مع تطبيق برامج للحد من التكاثر العشوائي، بما يحقق التوازن بين حماية البيئة والمجتمع.
وشددت براء المطيعي على أن الهدف ليس خلق حالة من التعارض بين الإنسان والحيوان، بل بناء منظومة متوازنة تضمن أمن المجتمع وتحافظ في الوقت ذاته على مبادئ الرحمة والإنسانية.
وأكدت أن الرحمة الحقيقية لا تعني تجاهل المخاطر أو إهمال حماية المواطنين، لكنها أيضًا لا تعني القسوة أو العنف غير المبرر ضد الحيوانات، بل تقوم على إيجاد حلول عادلة ومتوازنة تحترم حق الجميع في الحياة والأمان.
الوعي المجتمعي عنصر أساسي في الحل
ويرى مراقبون أن حل أزمة الحيوانات الضالة لا يتوقف فقط على القرارات الرسمية، بل يحتاج أيضًا إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بشأن أساليب التعامل الصحيحة مع الحيوانات، وضرورة الالتزام بالسلوكيات التي تقلل من تفاقم الظاهرة، مثل التخلص العشوائي من المخلفات أو التخلي عن الحيوانات الأليفة في الشوارع.