رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د.ياسمين جمال تكتب: تغطية محاولات الاغتيال في الإعلام… كيف يستقبلها المراهق بين الوعي والصدمة؟

تفصيلة

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتُبث لحظة بلحظة، لم تعد الوقائع الكبرى حكرًا على النشرات الإخبارية التقليدية، بل أصبحت تُنقل مباشرة إلى الشاشات والهواتف، مصحوبة بالصورة والصوت والتعليق والتحليل الفوري، ومع التغطية المكثفة لمحاولة اغتيال Donald Trump خلال أحد المؤتمرات، عاد النقاش حول الدور الذي يلعبه الإعلام في نقل مثل هذه الأحداث، وتأثير ذلك على فئة المراهقين بشكل خاص.

فالمراهق اليوم يعيش في بيئة إعلامية مفتوحة، لا تفرض عليه توقيتًا للمشاهدة، ولا تضع حدودًا واضحة لما يتلقاه. بل إنه يتعرض للحدث في أكثر من شكل؛ مقطع فيديو سريع، بث مباشر، تعليقات متباينة، تحليلات عاجلة، وربما شائعات تتداول بسرعة أكبر من الخبر نفسه. ومن هنا، لا يكون التحدي في معرفة ما حدث فقط، بل في كيفية فهم ما حدث.

ومن جهة أخرى، قد تبدو متابعة مثل هذه الأحداث فرصة لتنمية الوعي السياسي لدى الشباب، خاصة في ظل اهتمام متزايد بالقضايا العامة. غير أن هذا النوع من الوعي، إذا لم يُدعَم بالتفسير، قد يتحول إلى إدراك مشوش، يعتمد على الانطباع أكثر من التحليل. فالمراهق، بطبيعته، يتفاعل مع الصورة أولًا، ويتأثر بالمشهد قبل أن يستوعب السياق، مما يجعله عرضة لتبني مواقف متسرعة أو غير مكتملة.

كما أن التغطية الإعلامية لمثل هذه الأحداث غالبًا ما تميل إلى التكثيف البصري والتكرار، حيث تُعاد اللقطات المرتبطة بالحادث مرات عديدة، وتُعرض من زوايا مختلفة، في محاولة لتقديم صورة شاملة أو جذب انتباه أكبر. إلا أن هذا التكرار قد يؤدي إلى أثر نفسي تراكمي، خاصة لدى المراهقين، يتمثل في زيادة القلق أو الإحساس بعدم الأمان، أو حتى التبلّد مع مرور الوقت نتيجة الاعتياد على المشاهد الصادمة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة الإعلام الرقمي تضيف بُعدًا آخر للتأثير. فخوارزميات المنصات تميل إلى عرض المحتوى الأكثر تفاعلًا، والذي يكون غالبًا الأكثر إثارة. وهذا يعني أن المراهق قد يجد نفسه محاطًا بسيل من المقاطع والتعليقات التي تعيد إنتاج الحدث بشكل مستمر، دون أن يملك القدرة على التوقف أو التصفية. وهنا، يتحول التعرض من متابعة عابرة إلى انغماس كامل في الحدث.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل أن بعض التغطيات الإعلامية قد تفتقر إلى التوازن، فتركّز على الجانب الدرامي للحدث أكثر من أبعاده التفسيرية. فيُعرض «ماذا حدث»، دون التعمق في «لماذا حدث» و«كيف يُفهم»، وهو ما يترك المتلقي — وخاصة المراهق — أمام صورة ناقصة، يملأ فراغها بتصوراته الخاصة أو بما يلتقطه من مصادر غير موثوقة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإعلام المهني القادر على إدارة مثل هذه الأحداث بوعي. فالمهنية هنا لا تعني فقط سرعة نقل الخبر، بل تشمل أيضًا اختيار زاوية التناول، وضبط اللغة، وتقليل التكرار غير الضروري، وتقديم سياق واضح يساعد على الفهم. فالإعلام، في لحظات الأزمات، لا ينقل الحدث فقط، بل يحدد إلى حد كبير كيف يُستقبل هذا الحدث داخل المجتمع.

كما أن دور الأسرة يظل عنصرًا مكملًا لا يمكن إغفاله. فالمراهق، رغم انفتاحه على العالم، يظل في حاجة إلى مرجعية قريبة تساعده على تفسير ما يشاهده. والحوار الهادئ داخل الأسرة، الذي يشرح الحدث دون تهويل، ويضعه في سياقه، يساهم في تقليل الأثر السلبي، ويمنح المراهق شعورًا بالاتزان بدلًا من الارتباك.

كذلك، فإن توجيه المراهقين إلى تقليل التعرض المستمر للمحتوى المرتبط بالحدث، خاصة المقاطع المتكررة أو الصادمة، يُعد خطوة مهمة للحفاظ على توازنهم النفسي، فالمتابعة الواعية تختلف عن التلقي المستمر، والقدرة على التوقف جزء من الوعي، لا ضعف فيه.

ومن زاوية أوسع، تكشف مثل هذه الأحداث عن حقيقة أساسية، وهي أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الواقع، بل أصبح عاملًا فاعلًا في تشكيله داخل أذهان المتلقين. فطريقة عرض الحدث، وزاوية تناوله، ولغة الخطاب المصاحبة له، كلها عناصر تشكّل إدراك الجمهور، وتؤثر في مشاعرهم واستجاباتهم.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يساعد الإعلام المراهق على الفهم، أم يدفعه نحو الانفعال؟
والإجابة لا تتعلق بالحدث في حد ذاته، بل بكيفية تقديمه، وبمدى الوعي في استقباله.

فبين الوعي والصدمة…
تقف الكلمة، والصورة، وطريقة العرض، كعوامل حاسمة في تشكيل جيل يرى العالم، إما بعين الفهم، أو بعدسة الخوف.

باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس 

تم نسخ الرابط