رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

رائد الديب يكتب: سيناء من "التحرير للتنمية".. رمز لعظمة مصر وإرادة شعبها

تفصيلة

في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، لا تستعيد مصر مجرد ذكرى تاريخية، بل تستحضر لحظة فاصلة أعادت تعريف معنى الوطن، ورسخت في الوجدان أن الأرض لا تسترد إلا بالإرادة، وأن السيادة لا تمنح بل تنتزع.. إنها ذكرى تحرير سيناء، أرض الفيروز، التي تحولت من ساحة احتلال إلى أيقونة نصر، ومن جغرافيا للصراع إلى عنوان للكرامة الوطنية.

لم يكن الطريق إلى سيناء مفروشا بالانتصارات السهلة، بل بدأ من لحظة انكسار قاسية في يونيو 1967، حين أدركت الدولة المصرية أن معركة الأرض ليست فقط معركة سلاح، بل معركة بقاء وهوية.. ومن قلب الهزيمة، بدأت ملحمة الصمود، حيث أعادت مصر بناء جيشها، واستعادت ثقتها، وكتبت أولى صفحات الرد في معارك محدودة كانت بمثابة جس نبض لقوة جديدة تتشكل؛ فجاءت معركة رأس العش في يوليو 1967 لتؤكد أن الروح المصرية لم تكسر، وأن الجنود قادرون على تحويل المستحيل إلى واقع.

حرب الاستنزاف.. بدأ جنودنا البواسل معركة طويلة لم تحسم في يوم، لكنها استنزفت العدو وأعادت تشكيل ميزان القوى.. وعلى ضفتي قناة السويس، سطر الجيش المصري ملحمة يومية من الصمود، تزامنت مع إعادة بناء شاملة لمؤسسات الدولة، في استعداد لمعركة أكبر، كانت تلوح في الأفق.. ففي السادس من أكتوبر 1973، جاء الرد الحاسم.

قواتنا المسلحة تعبر قناة السويس.. لتحطم خطهم المنيع "خط بارليف"، لتعيد كتابة التاريخ العسكري بأحرف من نور.. لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية، بل كان إعلانا بأن مصر استعادت زمام المبادرة، وأنها قادرة على فرض معادلتها بالقوة.. ليمهد الانتصار الطريق لمعركة أخرى، لا تقل صعوبة، وهي معركة السياسة والدبلوماسية.

ومن ساحة القتال إلى طاولة التفاوض، واصلت مصر معركتها حتى النهاية.. جاءت مبادرة السلام التي قادها الرئيس الراحل أنور السادات لتفتح مسارا جديدا، توج باتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام عام 1979، والتي نصت على انسحاب إسرائيل الكامل من سيناء.. ومع كل مرحلة انسحاب، كان العلم المصري يرتفع مجددا، حتى جاء يوم 25 أبريل 1982، حين اكتمل التحرير، وعادت سيناء إلى السيادة المصرية.

معركتنا على أرض الفيروز لم تتوقف عند هذا الحد، إذ بقيت طابا شاهدة على إصرار الدولة المصرية على استرداد كل شبر من أرضها؛ فخاضت مصر معركة قانونية دولية انتهت بانتصار جديد في مارس 1989، ليُرفع العلم المصري على آخر نقطة من أرض سيناء، مؤكدة أن الحق لا يسقط ما دام وراءه من يطالب به.

واليوم، وبعد 44 عاما على تحرير سيناء، لا تقرأ هذه الذكرى فقط في سياق الانتصار العسكري أو السياسي، بل في سياق أوسع عنوانه "التنمية".. فسيناء التي كانت يوما ساحة للحروب، أصبحت محورا لمشروع وطني ضخم يعيد رسم خريطتها بالكامل؛ طرق تمتد، ومدن تبنى، ومشروعات زراعية وصناعية تنمو، واستثمارات تضخ لتحويل هذه الأرض إلى بوابة حقيقية للمستقبل.. لقد دخلت سيناء مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"التحرير بالتنمية" ليصبح هدف الدولة المصرية هو تعمير سيناء واستثمارها ودمجها في قلب الدولة الحديثة، وفي إطار مشروع "الجمهورية الجديدة"، أصبحت سيناء جزءا أصيلا من استراتيجية الأمن القومي، ليس فقط بوصفها خط الدفاع الأول، بل باعتبارها ركيزة للتنمية المستدامة ومصدرا للفرص.

"تحرير سيناء" ليس مجرد احتفال سنوي، بل رسالة متجددة بأن مصر قادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات، وأن إرادة شعبها أقوى من أي احتلال أو أزمة.. وهي أيضا دعوة للحفاظ على ما تحقق، ومواصلة البناء، لأن الوفاء الحقيقي لدماء الشهداء لا يكون بالكلمات، بل بالعمل.. وفي النهاية، تبقى سيناء شاهدا حيا على أن هذا الوطن لا يعرف المستحيل، وأن رايته التي ارتفعت فوق أرضها ستظل مرفوعة، تحرسها إرادة شعب، وتاريخ أمة، وعزيمة لا تنكسر.

تم نسخ الرابط