الخنق الاستراتيجي لإيران.. قراءة عسكرية تكشف خطة الضغط الأمريكي
في قراءة عسكرية معمقة لتطورات المشهد الإقليمي، كشف اللواء محمد عبد المنعم، الخبير العسكري والاستراتيجي، عن أبعاد التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران، مؤكدًا أن ما يجري لا يندرج فقط ضمن مواجهة عسكرية تقليدية، بل يمثل محاولة متكاملة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، وفرض واقع استراتيجي جديد يحد من نفوذ طهران سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
وأوضح أن الولايات المتحدة لا تتحرك وفق ردود أفعال آنية، بل وفق خطة طويلة الأمد تستهدف تقويض عناصر القوة الإيرانية، سواء على مستوى الداخل أو عبر أذرعها الممتدة في الإقليم.
أشار الخبير العسكري إلى أن الأهداف الأمريكية من التصعيد مع إيران تتسم بالشمول والتدرج، حيث تسعى واشنطن إلى تحقيق عدة غايات في آن واحد، يأتي في مقدمتها إضعاف النظام الإيراني، والعمل على تقليص قدرته على الاستمرار، إلى جانب استهداف البرنامج النووي الذي يمثل أحد أهم أوراق القوة الاستراتيجية لطهران.
كما أوضح أن التحركات الأمريكية لا تتوقف عند الداخل الإيراني فقط، بل تمتد إلى محيطه الإقليمي، عبر محاولة تفكيك وتقليص نفوذ الأذرع التابعة لإيران في عدد من دول المنطقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على موازين القوى الإقليمية.
تغيير قواعد الاشتباك.. من المواجهة المباشرة إلى الضغط غير التقليدي
وخلال حديثه، لفت عبد المنعم إلى أن الولايات المتحدة عملت على تغيير طبيعة المواجهة مع إيران، عبر الانتقال من نمط الاشتباك المباشر إلى أدوات ضغط غير تقليدية، تعتمد على الاقتصاد والجغرافيا السياسية.
وبيّن أن إيران حاولت استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط، خاصة من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية، إلا أن هذا التكتيك دفع واشنطن إلى التحرك لإبطال مفعوله.
وأشار إلى أن هذه الضغوط أسهمت في دفع إيران إلى التراجع النسبي، والقبول بإعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة، في محاولة لتفادي مزيد من التصعيد.
مضيق هرمز: ورقة ضغط تتحول إلى نقطة ضعف
أكد الخبير العسكري أن أحد أبرز محاور الاستراتيجية الأمريكية يتمثل في سحب ورقة مضيق هرمز من يد إيران، بحيث لا تتمكن من استخدامه كوسيلة ضغط على المجتمع الدولي.
وأوضح أن واشنطن تسعى إلى ضمان استمرار تدفق النفط عبر هذا الممر الحيوي دون تهديد، وفي الوقت ذاته تقليص قدرة إيران على الاستفادة منه اقتصاديًا، سواء عبر تصدير النفط أو تمرير التكنولوجيا.
وأشار إلى أن هذه السياسة تعني عمليًا فرض نوع من الحصار غير المعلن، يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني تدريجيًا، دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
بدائل إيرانية.. ممرات بحرية موازية لتفادي الحصار
في مواجهة هذه الضغوط، كشف عبد المنعم أن إيران لجأت إلى البحث عن بدائل لتأمين مصالحها التجارية، حيث عملت على فتح ممرات بحرية قريبة من سواحلها، مخصصة لسفن الدول الصديقة.
وأوضح أن هذه الخطوة تهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من تدفق الصادرات، خاصة النفطية والتكنولوجية، مقابل الحصول على مكاسب مالية تساعدها على الصمود في ظل الضغوط المتزايدة.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هذه البدائل تظل محدودة التأثير، مقارنة بالأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز.
تهديدات متبادلة.. باب المندب يدخل دائرة التصعيد
وفي سياق متصل، أشار الخبير إلى أن التصعيد لم يقتصر على منطقة الخليج فقط، بل امتد ليشمل تهديدات محتملة بتعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وأوضح أن إدخال هذا الممر الحيوي في دائرة التهديد يعكس اتساع رقعة الصراع، وتحوله إلى مواجهة ذات طابع دولي، تتجاوز حدود النزاع الثنائي بين واشنطن وطهران.
وحول الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة هذه الضغوط، أوضح عبد المنعم أن طهران تعتمد على ما وصفه بـ"حرب الصابرين"، وهي استراتيجية تقوم على امتصاص الضربات وتحمل الضغوط لأطول فترة ممكنة.
وأشار إلى أن إيران نجحت بالفعل في الصمود لنحو 38 يومًا في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية، وهو ما يعكس قدرتها على التكيف مع الأزمات، وإن كان ذلك بثمن اقتصادي وسياسي مرتفع.