رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

نكهة الزمن الجميل تعود.. العيش الشمسي يغزو موائد الصعيد

العيش الشمسى
العيش الشمسى

في مشهد يتكرر كل صباح في قرى الصعيد، تستيقظ الذاكرة الشعبية على رائحة الخبز الشمسي، ذلك التراث الجنوبي العريق الذي لم تَطوِه السنوات رغم تسارع مظاهر الحداثة. فمنذ مئات السنين، لا تزال السيدات في صعيد مصر يحافظن على عادة إعداد "العيش البلدي" أو "العيش الشمسي"، بوصفه مكونًا أساسيًا على المائدة اليومية، لا غنى عنه في وجبات الإفطار والغداء والعشاء.

هذا الخبز التقليدي، الذي يُخمّر تحت أشعة الشمس قبل أن يُخبز في الأفران البلدية، لم يعد مجرد طعام، بل أصبح رمزًا للهوية الثقافية والانتماء، وذاكرة حية تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.

من الفجر تبدأ الحكاية: طقوس يومية لصناعة الحياة

مع أول خيوط الفجر، تبدأ السيدة الصعيدية يومها بطقوس متوارثة، تُجسد من خلالها معنى الصبر والدقة إذ لا تُعدّ صينية الطعام مكتملة في نظرها دون وجود أرغفة العيش الشمسي، الذي يُعتبر "كلمة السر" في سعادة الأسرة ومصدرًا أساسيًا للطاقة.

وتنطلق رحلة إعداد الخبز من نقطة البداية: القمح حيث تقوم السيدات بجلبه وطحنه في مطاحن القرى، التي لا تزال قائمة رغم قلة عددها، وتؤدي دورًا محوريًا في تلبية احتياجات الأهالي حتى اليوم.

من القمح إلى الدقيق: مراحل أولى تحافظ على النقاء

بعد طحن القمح، تبدأ مرحلة الغربلة، وهي خطوة أساسية تهدف إلى فصل الدقيق الناعم عن "الردّة"، التي تُستخدم لاحقًا في أغراض منزلية أخرى وتُعد هذه المرحلة من أهم مراحل الإعداد، حيث تضمن جودة الدقيق المستخدم في العجن.

العجن والتخمير: تفاعل دقيق بين الطبيعة والخبرة

تنتقل السيدات بعد ذلك إلى مرحلة العجن، باستخدام أوعية معدنية كبيرة تُعرف محليًا باسم "المعجن"، حيث يُضاف الماء الدافئ تدريجيًا إلى الدقيق، وتُعجن المكونات لمدة تصل إلى نصف ساعة حتى تتماسك وتصبح جاهزة.

ثم تُضاف الخميرة، لتبدأ عملية التخمير التي تُعدّ جوهر إعداد العيش الشمسي وبعد تقطيع العجين إلى أرغفة دائرية، تُوضع على "المقارص"، وهي أدوات تقليدية كانت تُصنع قديمًا من مواد طبيعية، وأصبحت اليوم تُصنع من الخشب حفاظًا على النظافة.

وتُترك الأرغفة في أماكن مشمسة خلال ساعات الصباح الأولى، حيث تتعرض لأشعة الشمس الدافئة، لتختمر بشكل طبيعي، في تفاعل فريد بين الطبيعة والخبرة المتوارثة.

الأفران البلدية تعود للحياة: طلب متزايد وبناء متصاعد

مع اكتمال التخمير، تبدأ المرحلة الأخيرة: الخَبز داخل الأفران البلدية، التي يتم تجهيزها بعناية باستخدام الحطب ومخلفات طبيعية لتوفير الحرارة اللازمة وخلال دقائق، تخرج الأرغفة ساخنة، تفوح منها رائحة الماضي، وجاهزة لتُقدَّم على المائدة.

وفي هذا السياق، يؤكد صانعو الأفران أن هناك عودة ملحوظة من قبل الأسر للاعتماد على الخبز التقليدي، مشيرين إلى تزايد الطلب على بناء الأفران الطينية فوق أسطح المنازل، في مؤشر واضح على رغبة المجتمع في استعادة جزء من تراثه الغذائي الأصيل.

العيش الشمسي.. أكثر من طعام

لا يقتصر العيش الشمسي على كونه مجرد خبز، بل يمثل جزءًا من منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة فهو يجمع الأسرة حول مائدة واحدة، ويُعيد إحياء قيم التعاون والعمل الجماعي، حيث تشارك النساء في إعداده، ويتوارث الأطفال أسراره منذ الصغر.

 

تم نسخ الرابط