أسباب تراجع أسعار الذهب رغم الحرب.. 5 عوامل في المقدمة
تواجه أسعار الذهب في مطلع عام 2026 مشهداً اقتصادياً معقداً يتسم بالتناقض الصارخ بين دوره التاريخي كملاذ آمن في أوقات المحن، وبين الضغوط العنيفة التي تفرضها المتغيرات النقدية والجيوسياسية المتلاحقة، حيث يجد المعدن النفيس نفسه اليوم مكبلاً بسلسلة من العوامل التي حدت من طموحاته السعرية ودفعت المستثمرين نحو إعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية في ظل عالم يموج بالاضطرابات.
لماذا تتراجع أسعار الذهب؟
والمتأمل في المشهد الراهن يدرك أن قوة الدولار الأمريكي لا تزال تشكل العقبة الكؤود أمام أي ارتداد سعري للذهب، إذ إن استمرار العملة الخضراء في التحليق عند مستويات مرتفعة، مدعومةً بعوائد السندات التي لا تزال تغري رؤوس الأموال الباحثة عن عوائد ملموسة، قد سحب البساط من تحت الأصول التي لا تدر عائداً دورياً، مما جعل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب باهظة للعديد من المحافظ الاستثمارية الكبرى التي فضلت الانتقال نحو السيولة النقدية "الكاش" التي بلغت حيازتها لدى مديري الصناديق مستويات قياسية لم نشهدها منذ ذروة جائحة كورونا.
عوامل دفعت أسعار الذهب للتراجع
وعلى صعيد السياسة النقدية، فإن قرار لجنة السوق المفتوحة بمجلس الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة ضمن نطاق (3.75% - 4%) قد أرسل إشارات متباينة للأسواق؛ فبينما كان البعض يترقب تخفيضات تحفز أسعار الذهب، جاء التوجه العام لعام 2026 نحو التريث وعدم الرفع نتيجة المخاوف من الركود الناتج عن الحروب، وهو ما خلق حالة من "الجمود السعري" الذي يميل نحو الهبوط بفعل ضغوط البيع الفنية، خاصة مع تراجع وتيرة المشتريات الاستراتيجية من قبل البنوك المركزية التي بدأت تتبع سياسة "التحوط بالانتظار" بعد وصول احتياطاتها إلى مستويات الإشباع النسبي خلال الأسابيع الماضية.
ولا يمكن فصل هذا التراجع عن التطورات الدراماتيكية في منطقة الشرق الأوسط، فبالرغم من أن التوترات العسكرية واستهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز من شأنها منطقياً أن ترفع وتيرة الطلب على الذهب كوسيلة للتحوط من التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة والتصنيع، إلا أن حالة اليقين المفقودة جعلت من "السيولة الفورية" هي الملك المتوج في الأسواق، حيث يفضل المستثمرون حالياً البقاء في وضع المراقب لتقييم مدى تأثير هذه النزاعات على سلاسل الإمداد العالمية قبل الالتزام بمراكز شرائية طويلة الأمد في المعدن الأصفر.
إلى أين تتجه أسعار الذهب؟
ويظل مسار الذهب رهيناً بقدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب الصدمات الجيوسياسية دون الانزلاق نحو ركود تضخمي شامل، وبمدى مرونة الفيدرالي الأمريكي في التعاطي مع بيانات التضخم القادمة، وحتى تتضح الرؤية، سيبقى الذهب تحت وطأة التجاذب بين بريقه كمخزن للقيمة وبين جاذبية الدولار القوي وعوائد السندات المرتفعة التي تعيد رسم خارطة الثروة في هذا العام المضطرب.
أسباب تراجع أسعار الذهب
ويوجد 5 أسباب وراء تراجع أسعار الذهب في ظل المعطيات الاقتصادية والجيوسياسية الحالية لعام 2026:
- تنامي جاذبية الدولار وعوائد السندات: استمرار قوة الدولار الأمريكي كخيار أول للمستثمرين، بالتوازي مع ارتفاع عوائد السندات، يزيد من "تكلفة الفرصة البديلة" لحيازة الذهب، كونه أصلاً لا يدر عائداً دورياً مقارنة بالفوائد المضمونة.
- سياسة التثبيت النقدي الحذر: قرار الفيدرالي الأمريكي بالإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة (3.75% - 4%) واستبعاد خفضها قريباً نتيجة تداعيات الحروب، عزز من ضغوط البيع الفنية وأضعف الزخم الشرائي للمعدن الأصفر.
- الطفرة في حيازة السيولة "الكاش": توجه مديري الصناديق الاستثمارية للاحتفاظ بالسيولة النقدية التي وصلت لأعلى مستوياتها منذ أزمة كورونا، وتفضيلها على الذهب لتأمين مراكزهم المالية في ظل حالة عدم اليقين العالمي.
- فتور الطلب المؤسسي والسيادي: تراجع وتيرة المشتريات الاستراتيجية من قبل البنوك المركزية وكبار المستثمرين خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، مما أفقد السوق الدعامة الأساسية التي كانت تمنع الأسعار من الانزلاق.
- إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية: رغم اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، إلا أن ميل المستثمرين للتريث وتقييم أثر النزاعات على سلاسل الإمداد جعلهم يفضلون "الانتظار" بدلاً من الاندفاع نحو الذهب، بانتظار اتجاهات أوضح للسياسة النقدية.

