صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان.. عبادة الليل التي تفتح أبواب الرحمة والمغفرة
مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، يعيش المسلمون واحدة من أسمى لحظات العبادة والروحانية في العام كله، حيث تتجه القلوب إلى الله تعالى طلبًا للرحمة والمغفرة والعتق من النار.
وفي مثل هذه الليالي المباركة يقف المؤمنون على أعتاب مرحلة مختلفة من التبتل والإنابة، إذ تتأهب الأرواح لاستقبال نفحات صلاة التهجد تلك العبادة الليلية العظيمة التي لا تقتصر على كونها ركعات تؤدى، بل هي رحلة إيمانية عميقة يخلو فيها العبد بربه في هدوء الليل وسكونه.
وفي هذه اللحظات التي يهدأ فيها الكون وينام الناس، تتحول المساجد وبيوت المؤمنين إلى ساحات نورانية يرفع فيها العباد أكفهم بالدعاء، وتنساب فيها التلاوات بخشوع وتتجه فيها القلوب إلى السماء أملاً في مغفرة الله ورحمته التي وسعت كل شيء.
لذلك تعد صلاة التهجد من أبرز العبادات التي يحرص المسلمون على إحيائها في العشر الأواخر من رمضان، طمعًا في إدراك ليلة القدر ونيل فضلها العظيم
ما معنى صلاة التهجد؟
في اللغة العربية اشتقت كلمة التهجد من الهجود، وهو النوم ويقصد بها السهر بعد النوم. أما في الاصطلاح الشرعي فهي صلاة تطوع يؤديها المسلم في الليل بعد أن ينام ثم يستيقظ للصلاة.
وهذا ما يميز صلاة التهجد عن قيام الليل بشكل عام إذ إن قيام الليل قد يبدأ مباشرة بعد صلاة العشاء دون اشتراط النوم، بينما يشترط في التهجد أن يكون بعد نوم ولو يسير.
وقد ورد ذكر التهجد في القرآن الكريم في قوله تعالى:
ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا وهو ما يدل على عظمة هذه العبادة ومكانتها الرفيعة في الإسلام.
أفضل وقت لصلاة التهجد
يبدأ وقت صلاة التهجد من بعد صلاة العشاء مباشرة، ويستمر حتى قبيل أذان الفجر الصادق ومع ذلك، فإن أفضل وقت لأدائها هو الثلث الأخير من الليل.
وفي هذا الوقت المبارك تتجلى رحمة الله تعالى بعباده حيث ورد في الحديث الشريف أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله في الثلث الأخير من الليل، فيقول:
هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟
ولهذا السبب يحرص كثير من المسلمين على تأخير صلاة التهجد إلى ما بعد منتصف الليل، لما في ذلك من مجاهدة للنفس وترك للفراش والراحة في سبيل الوقوف بين يدي الله.
كيفية أداء صلاة التهجد
تؤدى صلاة التهجد بالطريقة نفسها التي تؤدى بها صلاة الليل أي مثنى مثنى بمعنى أن يصلي المسلم ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين أخريين وهكذا.
وقد ورد عن النبي ﷺ قوله:
صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى
ويبدأ المصلي صلاته عادة بركعتين خفيفتين، ثم يطيل بعد ذلك في القراءة والركوع والسجود حسب قدرته مع الحرص على الخشوع والتدبر في آيات القرآن الكريم.
وفي العشر الأواخر من رمضان يستحب إطالة القيام والقراءة مع استحضار معاني الآيات، فإذا مر المصلي بآيات الرحمة سأل الله من فضله، وإذا مر بآيات العذاب استعاذ بالله منه.
ويختم المسلم صلاته بصلاة الوتر إذا لم يكن قد أوتر بعد صلاة التراويح، أما إذا أوتر في أول الليل فلا يعيد الوتر مرة أخرى، امتثالًا لقول النبي ﷺ:
"لا وتران في ليلة واحدة".
عدد ركعات صلاة التهجد
لم يحدد الشرع الإسلامي عددًا ثابتًا لركعات صلاة التهجد، بل ترك الأمر فيه سعة كبيرة للمسلمين بحسب طاقتهم وقدرتهم.
فقد كان النبي ﷺ يصلي غالبًا إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة شاملة للوتر، لكن العلماء أكدوا أن المسلم إذا زاد على ذلك أو نقص فلا حرج عليه.
ويرى الفقهاء أن العبرة في صلاة الليل ليست بكثرة الركعات، وإنما بخشوعها وإطالة القراءة فيها، فركعتان بخشوع وتدبر قد تكونان أعظم أجرًا من عدد كبير من الركعات التي تؤدى بسرعة دون حضور قلب.
ولذلك يمكن للمسلم أن يصلي ثماني ركعات ثم يوتر بثلاث، أو يصلي أربع ركعات فقط، أو ما تيسر له من الركعات، مع الحرص على المداومة والإخلاص في العبادة
فضل صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان
تزداد مكانة صلاة التهجد وأهميتها خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، لما تحمله هذه الأيام من نفحات إيمانية عظيمة وفرص كبيرة لنيل المغفرة والرحمة.
الاقتداء بالنبي والصالحين
تعد صلاة الليل من العبادات التي كان النبي ﷺ يحرص عليها بشدة، كما كانت سمة من سمات الصالحين عبر التاريخ الإسلامي. ولذلك فإن المحافظة عليها تمثل اقتداءً بسنة النبي الكريم وطريقًا للسير على خطى الصالحين.
استجابة الدعاء