علماء الأزهر: الوسطية صمام أمان الأمة في مواجهة الغلو والتفريط
في أجواء روحانية مفعمة بنفحات شهر رمضان المبارك، نظم الجامع الأزهر ملتقاه الرمضاني في ليلته الثانية عشرة عقب صلاة التراويح، تحت عنوان «وسطية الإسلام في ظل دعوات التطرف»، بحضور نخبة من علماء الأزهر، الذين تناولوا بالتحليل والتأصيل مفهوم الوسطية باعتباره السمة الذاتية لهذا الدين، والسياج الحامي لهوية الأمة في مواجهة موجات الغلو والتفريط.
شارك في الملتقى كل من الدكتور مجدي عبد الغفار، رئيس قسم الدعوة بكلية الدراسات العليا، والدكتور محمد صلاح، رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وأدار اللقاء الإعلامي حسن الشاذلي، في حوار علمي اتسم بالعمق والاتزان، وأعاد التأكيد على دور الأزهر التاريخي في ترسيخ الاعتدال.
الوسطية
استهل الدكتور مجدي عبد الغفار حديثه بالتأكيد على أن الوسطية في الإسلام ليست توجهًا فكريًا يُختار من بين توجهات، بل هي الوصف الذاتي لهذا الدين، مستشهدًا بقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا»، موضحًا أن الوسط هنا يعني العدل والخيرية، وأن خير الأمور أوسطها حين يكون قائمًا على الإنصاف والتوازن.
وأشار إلى أن الأمة اليوم تقف بين طرفين متناقضين؛ طرف يغلّو ويشدد حتى يخرج بالدين عن مقاصده، وطرف يفرّط ويتساهل حتى يفرغه من مضمونه، مؤكدا أن المنهج الأزهري يقف في المساحة الوسطى بين الإفراط والتفريط، مستمدًا رؤيته من القرآن الكريم والسنة النبوية بفهم منضبط.
وأضاف، أن صناعة الفكر الوسطي تبدأ من «صحيح الذكر وفهمه»، مبينًا أن النصوص إذا فُهمت فهمًا صحيحًا أنشأت عقلًا متوازنًا، أما إذا أُسيء فهمها أو حُمّلت ما لا تحتمل، فإنها تتحول إلى منطلق للانحراف الفكري والغلو، وهو ما شهدته بعض الجماعات التي ارتكبت أخطاء جسيمة نتيجة سوء الفهم أو التعصب للرأي.
خطاب الوسطية.. تسبيح لا تقبيح
وتوقف عبد الغفار عند طبيعة الخطاب الدعوي الوسطي، موضحًا أنه خطاب قائم على البناء لا الهدم، وعلى التأثير لا التكفير، وعلى الاحتواء لا الإقصاء.
وأكد أن الدعوة التي تنطلق من روح الإسلام الحق لا تعرف لغة التشهير أو التنفير، بل تجمع بين الترغيب والترهيب في إطار من الرحمة والعدل.
واستشهد بقوله تعالى: «نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم»، مبينًا أن هذا الجمع بين الوعد والوعيد يجسد التوازن المطلوب في الخطاب الديني، بحيث لا يتحول إلى تخويف دائم يُنتج شخصيات مرعوبة، ولا إلى تساهل مطلق يفضي إلى الانفلات.
وأشار إلى أن منهج الأزهر يقوم على «الإحسان قبل البيان»، وعلى التربية قبل التعرية، فالداعية الوسطي لا ينشغل بفضح الناس أو تتبع عوراتهم، وإنما يسعى إلى إصلاحهم برفق وحكمة، آخذًا بأيديهم نحو طريق الاستقامة.
سر بقاء الأزهر
من جانبه، تناول الدكتور محمد صلاح البعد التاريخي للوسطية الأزهرية، مؤكدًا أن الأزهر الشريف، الذي تأسس قبل أكثر من ألف عام، استطاع أن يحافظ على استمراريته وريادته في وقت اندثرت فيه مدارس ومؤسسات دينية أخرى، رغم ما حظيت به من دعم أو ترويج.
وأوضح، أن سر هذا البقاء يكمن في المنهج الوسطي الذي تبناه الأزهر منذ نشأته، إذ لم ينغلق على مذهب فقهي واحد، ولم يفرض على طلابه تبني رؤية أحادية، بل جمع بين مذاهب أهل السنة كافة، فكان الطالب الأزهري يدرس الفقه الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي في بيئة علمية واحدة، دون تعصب أو إقصاء.
وبيّن أن هذا التنوع لم يكن شكليًا، بل كان مقصودًا لتعميق الفهم وترسيخ سعة الأفق، حتى إن الأزهر كان يشجع دراسة المذهب الحنبلي إذا قلّ عدد المنتسبين إليه، حرصًا على اكتمال الصورة الفقهية وتوازنها.