رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

اكتشاف مذهل.. سمكة بأربع عيون تعيد كتابة تاريخ الفقاريات

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في اكتشاف علمي يفتح نافذة واسعة على فجر الحياة المعقدة في البحار القديمة، أعلن باحثون عن العثور على حفريات نادرة لأسماك بدائية بلا فكوك تعود إلى نحو 500 مليون سنة، تكشف عن مفاجأة تطورية غير مسبوقة: كائنات بحرية امتلكت أربع عيون كاملة الوظيفة.

الحفريات، التي عُثر عليها في جنوب الصين، تعود إلى العصر الكامبري، الحقبة التي شهدت ما يُعرف بـ"الانفجار الكامبري" حين ظهرت معظم الخطط الجسدية الأساسية للكائنات الحية.
لكن ما يميز هذا الاكتشاف ليس قدمه فحسب، بل ما يحمله من دلالات عميقة حول نشأة الحواس وتطور الجهاز العصبي لدى أقدم الفقاريات.

الأسماك المكتشفة تنتمي إلى مجموعة تُعرف باسم Myllokunmingia، وهي من أقدم الفقاريات المعروفة في السجل الأحفوري غير أن الدراسة الجديدة تكشف أن هذه الكائنات لم تكن بدائية بالمعنى البسيط للكلمة، بل امتلكت نظامًا بصريًا متطورًا على نحو يثير الدهشة.

جاءت هذه النتائج بعد فحص دقيق لأحافير مستخرجة من طبقات Chengjiang Fossil Site، أحد أهم مواقع الأحافير في العالم، والمدرج ضمن قائمة التراث العالمي تشتهر هذه الطبقات بقدرتها الاستثنائية على حفظ تفاصيل دقيقة من أجسام الكائنات الرخوة، بما في ذلك الأنسجة التي نادرًا ما تبقى في السجل الأحفوري مثل العيون والأعصاب.

في العادة، تقتصر الأحافير القديمة على الهياكل الصلبة، لكن في هذه الحالة، تمكن العلماء من رصد بنى بصرية متكاملة، وهو ما أتاح لهم إعادة بناء النظام البصري لهذه الأسماك بدقة غير مسبوقة.

ويؤكد الباحثون أن جودة الحفظ في هذه الطبقات لعبت دورًا حاسمًا في كشف تفاصيل لم يكن من الممكن تصورها قبل عقود، الأمر الذي يعزز مكانة الموقع كمختبر طبيعي لفهم بدايات الحياة المعقدة.

رؤية رباعية في محيط يعج بالمخاطر

أظهرت الدراسة أن هذه الأسماك امتلكت عينين كبيرتين على جانبي الرأس، إضافة إلى زوج أصغر يتموضع في منتصفه. اللافت أن العيون الأربع لم تكن مجرد زوائد شكلية، بل أعضاء كاملة الوظيفة.

الفحص المجهري أظهر وجود عدسات واضحة وأصباغ ماصة للضوء في العيون الصغيرة، قادرة على تكوين الصور، تمامًا كما تفعل العيون الأكبر حجمًا وهذا يعني أن هذه الكائنات كانت تتمتع برؤية رباعية حقيقية، تمنحها قدرة بصرية متقدمة في بيئة بحرية كانت تشهد تصاعدًا في سباق البقاء.

خلال العصر الكامبري، بدأت المفترسات الكبيرة في الظهور، ما فرض ضغطًا تطوريًا هائلًا على الكائنات الصغيرة. وفي هذا السياق، لم يكن امتلاك أربع عيون سمة غريبة، بل استراتيجية بقاء متقدمة.

الرؤية الإضافية ربما وفرت زاوية مراقبة أوسع، وقدرة أكبر على رصد التهديدات من أعلى أو من اتجاهات يصعب تغطيتها بعينين فقط. ويعتقد بعض العلماء أن العيون الوسطى ربما لعبت دورًا في قياس شدة الضوء أو تحديد الاتجاه، وهو ما يعزز فرص النجاة في بيئة متقلبة.

من عين ثالثة إلى غدة صنوبرية

أحد أكثر الجوانب إثارة في هذا الاكتشاف يتعلق بالتفسير التطوري للزوج الإضافي من العيون يرجح الباحثون أن هذه البنية تمثل الأصل المبكر لما يُعرف بالعين الجدارية لدى بعض الفقاريات الحديثة، وهي بنية ما تزال موجودة لدى بعض الزواحف والأسماك المعاصرة.

هذه العين الجدارية، التي تُعرف أحيانًا بـ"العين الثالثة"، لا تؤدي دورًا بصريًا كاملًا في معظم الأنواع الحديثة، لكنها تستشعر الضوء وتسهم في تنظيم الإيقاع الحيوي.

الأكثر إثارة أن هذه البنية تطورت لدى البشر إلى الغدة الصنوبرية، وهي عضو صغير يقع في عمق الدماغ، مسؤول عن إفراز هرمون الميلاتونين وتنظيم دورة النوم والاستيقاظ.

وبذلك، يقدم الاكتشاف دليلًا أحفوريًا مباشرًا على أن الغدة الصنوبرية ربما بدأت كعين حقيقية قادرة على تكوين الصور، قبل أن تفقد تدريجيًا وظيفتها البصرية عبر ملايين السنين، وتتحول إلى مركز هرموني حيوي.

رحلة تطورية عبر مئات الملايين من السنين

تُظهر هذه النتائج أن التحولات الكبرى في تاريخ الحياة لا تحدث فجأة، بل تمر بمراحل انتقالية معقدة ما كان في يوم من الأيام عينًا كاملة الوظيفة، أصبح لاحقًا عضوًا داخليًا ينظم النوم والساعة البيولوجية.

هذا التحول يعكس مبدأ أساسيًا في التطور: البنى البيولوجية لا تختفي بالضرورة، بل يعاد توظيفها لأدوار جديدة. وفي حالة الغدة الصنوبرية، يبدو أن الطبيعة أعادت تصميم عضو بصري ليصبح مركزًا هرمونيًا.

ويرى العلماء أن وجود أربع عيون في هذه المرحلة المبكرة يشير إلى أن التجارب التطورية كانت أكثر تنوعًا مما كان يُعتقد سابقًا، وأن شجرة الفقاريات شهدت فروعًا وتجارب انتهى بعضها بالاندثار، بينما استمر بعضها الآخر بأشكال معدلة.

إعادة كتابة تاريخ الفقاريات

لطالما اعتُبرت الفقاريات المبكرة كائنات بسيطة، محدودة الحواس، بالكاد تملك المقومات الأساسية للبقاء غير أن هذا الاكتشاف يقلب هذه الصورة رأسًا على عقب.

فوجود نظام بصري متكامل بأربع عيون يشير إلى أن التعقيد العصبي والحسي بدأ في وقت أبكر بكثير مما كان يُتصور وهذا يعيد النظر في الفرضيات المتعلقة بوتيرة تطور الدماغ والحواس لدى أسلاف الفقاريات.

كما يسلط الضوء على أن الانفجار الكامبري لم يكن مجرد زيادة في عدد الأنواع، بل شهد أيضًا ابتكارات بيولوجية جذرية في بنية الأعضاء ووظائفها.

تم نسخ الرابط