الألعاب الإلكترونية بين الترفيه والإدمان… تحذير أكاديمي من الخطر الصامت
في ظل الانتشار الكاسح للتكنولوجيا الرقمية، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة عابرة لقتل الوقت، بل تحولت لدى قطاع واسع من الشباب بل وحتى الكبار إلى ممارسة يومية تلامس تفاصيل حياتهم الدقيقة.
هذا التحول الاجتماعي اللافت كان محور تحذير أطلقه الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بـالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، مؤكدًا أن المسألة لم تعد ترتبط بوقت فراغ يُملأ، بل بنمط حياة يتشكل ويتكرس بهدوء داخل البيوت والمقاهي ووسائل المواصلات وحتى أماكن العمل.
تحذير رشاد لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى قراءة اجتماعية معمقة لمشهد يتغير بسرعة، حيث أصبحت الشاشات الصغيرة بوابة يومية لعوالم افتراضية تستحوذ على الاهتمام والوقت والمشاعر، في ظل غياب حدود واضحة تفصل بين الترفيه الصحي والانغماس المفرط.
من لعبة عابرة إلى روتين يومي
يرى رشاد أن التحول الأخطر لا يكمن في وجود الألعاب الإلكترونية بحد ذاتها، وإنما في انتقالها من كونها نشاطًا ترفيهيًا محدودًا إلى عادة يومية ثابتة.
فالكثير من الشباب يبدأ يومه بتفقد التحديثات، ويختمه بجولة افتراضية جديدة، فيما تتسلل الألعاب إلى أوقات الدراسة والعمل والاستراحات القصيرة، لتصبح جزءًا من الإيقاع اليومي.
هذا الحضور الكثيف لا يرتبط بفئة عمرية واحدة، إذ باتت الألعاب الرقمية مساحة مشتركة بين مراهقين وطلاب جامعات وموظفين وحتى بعض أولياء الأمور.
ومع سهولة الوصول إليها عبر الهواتف الذكية، لم يعد اللعب مرتبطًا بجهاز منزلي أو وقت محدد، بل صار متاحًا في أي مكان وزمان.
جاذبية نفسية واجتماعية مدروسة
يفسر أستاذ علم الاجتماع سر التعلق المتزايد بالألعاب من خلال مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية المتشابكة فهذه الألعاب لا تقدم مجرد تسلية، بل تبني منظومة متكاملة من الحوافز تقوم على الإحساس بالإنجاز والمكافأة الفورية عند الفوز أو اجتياز المراحل.
كما توفر الألعاب الجماعية شعورًا بالانتماء إلى فرق أو مجتمعات رقمية، حيث يتشارك اللاعبون الأهداف والانتصارات والهزائم. هذا الإحساس بالانتماء يعوض لدى البعض نقصًا في العلاقات الواقعية، ويمنحهم مساحة للشعور بالقوة والسيطرة في عالم يمكن التحكم فيه، على عكس الواقع الذي قد يبدو معقدًا أو ضاغطًا.
إلى جانب ذلك، تلعب ثقافة “مواكبة العصر” دورًا مهمًا، فالكثير من الشباب ينخرط في الألعاب بدافع تقليد الأصدقاء أو عدم الرغبة في الشعور بالعزلة عن محيطهم الاجتماعي وهنا تصبح اللعبة وسيلة للحفاظ على مكانة اجتماعية رقمية، لا تقل أهمية لدى البعض عن المكانة الواقعية.
الهواتف الذكية… بوابة الإدمان الصامت
يشير رشاد إلى أن الانتشار الواسع للهواتف الذكية أسهم بشكل مباشر في ترسيخ الألعاب كجزء من الحياة اليومية ففي المواصلات العامة، وفي قاعات الانتظار، وحتى في التجمعات العائلية، باتت الشاشات تحل محل الحوار المباشر.
هذا التحول يعكس نمطًا جديدًا من التفاعل، حيث تتراجع العلاقات الوجاهية لصالح تواصل رقمي سريع ومكثف ومع مرور الوقت، قد يعتاد الفرد على هذا النمط، فيجد صعوبة في الانخراط في نقاشات واقعية أو أنشطة اجتماعية تقليدية.
يحذر أستاذ علم الاجتماع من أن الإفراط في اللعب قد يقود إلى نتائج تتجاوز حدود الترفيه. فمع تضخم عدد الساعات المخصصة للألعاب، تبدأ مظاهر العزلة الاجتماعية في الظهور، حيث يفضل البعض البقاء في غرفهم لساعات طويلة على حساب التفاعل مع الأسرة أو الأصدقاء.
وقد يمتد التأثير إلى ضعف الروابط الأسرية، إذ تقل الحوارات اليومية ويزداد التباعد العاطفي، خصوصًا إذا شعر الآباء بأن أبناءهم يعيشون في عالم منفصل عنهم كما تتأثر الدراسة والعمل، نتيجة تشتت الانتباه والسهر لساعات متأخرة، ما يؤدي إلى تراجع التحصيل الأكاديمي أو الأداء المهني.
أعراض تشبه الإدمان
يشدد رشاد على أن المشكلة لا تكمن في الألعاب بحد ذاتها، بل في فقدان القدرة على التحكم في الوقت المخصص لها. فبعض اللاعبين يواجهون صعوبة في التوقف، حتى مع إدراكهم لتأثير ذلك على حياتهم.
ومن بين الأعراض التي تثير القلق: الشعور بالتوتر أو العصبية عند الانقطاع عن اللعب، التفكير المستمر في اللعبة حتى خارج أوقات استخدامها، وإهمال الواجبات اليومية هذه المؤشرات قد تضع الفرد على مسار يشبه الإدمان السلوكي، الذي يتطلب وعيًا مبكرًا للتعامل معه.
الهروب من الواقع والبحث عن إنجاز سريع
أحد أخطر الدوافع التي رصدها رشاد هو لجوء بعض الشباب إلى الألعاب كوسيلة للهروب من ضغوط الواقع ففي العالم الافتراضي، يمكن تحقيق إنجازات سريعة والحصول على مكافآت فورية، دون المرور بمراحل طويلة من الجهد والتحدي كما يحدث في الحياة الواقعية.
هذا التباين قد يعزز لدى البعض رغبة في البقاء داخل المساحة الرقمية، حيث النجاح أسرع والاعتراف بالإنجاز أكثر وضوحًا. ومع الوقت، قد يتراجع الحافز لمواجهة التحديات الحقيقية، ما يؤثر على النمو الشخصي والاجتماعي.
بين الفوائد والمخاطر… معادلة التوازن
رغم التحذيرات، لا ينفي أستاذ علم الاجتماع وجود جوانب إيجابية للألعاب الإلكترونية فهي قد تنمي مهارات التفكير الاستراتيجي، وسرعة اتخاذ القرار، والعمل الجماعي، كما توفر وسيلة ترفيهية آمنة إذا استُخدمت باعتدال.