رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. ياسمين جمال تكتب: رمضان والحوار الأسري في زمن الشاشات

تفصيلة

يأتي شهر رمضان كل عام محمّلًا بمعانٍ روحية وإنسانية عميقة، فهو شهر السكينة والتأمل ولمّ الشمل، حيث تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، وتتقارب القلوب قبل الأجساد. غير أن الواقع المعاصر يطرح تساؤلًا مهمًا: هل ما زال رمضان يمثل موسمًا حقيقيًا للحوار الأسري، أم تحوّل دون أن نشعر إلى فرصة ضائعة وسط زحام الشاشات وتسارع الإيقاع اليومي؟.

في الماضي، كان رمضان مساحة طبيعية للتواصل، حيث تفرض الأجواء نفسها على الجميع؛ وقت محدد للإفطار، هدوء نسبي بعد يوم الصيام، وحديث يمتد بين أفراد الأسرة دون مقاطعات كثيرة. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد، إذ أصبحت الشاشات حاضرة بقوة، تتوزع الأعين بين المسلسلات، والهواتف المحمولة، ومواقع التواصل الاجتماعي. وهنا، لا يختفي الحوار الأسري فجأة، لكنه يتراجع تدريجيًا، ليحل محله تواصل صامت يفتقر إلى العمق والمشاركة الحقيقية.
ومن ناحية أخرى، يتعرض الأبناء خلال شهر رمضان لكمٍّ هائل من المحتوى الإعلامي، بعضه يحمل رسائل إيجابية، بينما يفتقر البعض الآخر إلى الهدوء الذي ينسجم مع روح الشهر. ومع غياب الحوار داخل الأسرة، قد يستقبل الطفل أو المراهق هذه الرسائل دون تفسير أو توجيه، فتتشكل لديه تصورات غير مكتملة عن القيم والمعاني المرتبطة برمضان، وهنا تتضاعف أهمية الحوار، ليس باعتباره واجبًا تربويًا فقط، بل كضرورة نفسية تضمن الاتزان والفهم.
كذلك، فإن الحوار الأسري في رمضان لا يعني جلسات رسمية أو نصائح مباشرة، بل يعني مشاركة بسيطة، وسؤالًا صادقًا، واستماعًا حقيقيًا لما يشعر به الأبناء. فالطفل الذي يُسأل عمّا شاهده أو ما الذي أثّر فيه، يشعر بقيمته داخل الأسرة، ويصبح أكثر استعدادًا للتعبير عن أفكاره ومخاوفه، ومن جهة أخرى، يمنح هذا الحوار الوالدين فرصة لفهم عالم أبنائهم، وتصحيح المفاهيم الخاطئة بهدوء، دون فرض أو توبيخ.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأجواء الرمضانية تهيّئ بطبيعتها مناخًا مناسبًا للتقارب الأسري، حيث يقل الانشغال اليومي نسبيًا، وتزداد لحظات الاجتماع. وإذا أُحسن استغلال هذه اللحظات، يمكن أن يتحول رمضان إلى موسم لإعادة بناء الجسور داخل الأسرة، وتعزيز الثقة بين أفرادها، وترسيخ قيم المشاركة والاحترام المتبادل.
ولا يمكن تجاهل دور الإعلام في هذا السياق، فالمحتوى الذي يُقدَّم خلال رمضان يؤثر بشكل مباشر في نمط حياة الأسرة. فحين يطغى الإيقاع السريع والمحتوى المشتت، تتراجع فرص الحوار، بينما يمكن للإعلام الهادئ والمتوازن أن يكون عاملًا مساعدًا على التقارب، من خلال تقديم رسائل تحترم روح الشهر وتدعم القيم الأسرية.
لذا، يبقى رمضان فرصة حقيقية، لكن نجاحها يتوقف على كيفية إدارتها داخل كل بيت... فالحوار الأسري لا يحتاج إلى وقت طويل أو استعدادات معقدة، بل إلى نية صادقة ووعي بأهميته، وحين يتحول رمضان إلى مساحة آمنة للحوار، يصبح أكثر من شهر للصيام، بل موسمًا لبناء أُسر أكثر تماسكًا، وأبناء أكثر وعيًا، وقلوب أقرب إلى بعضها البعض.

د. ياسمين جمال.. باحثة دكتوراة الإعلام التربوي بجامعة عين شمس 
 

تم نسخ الرابط