رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الأول من رمضان.. بين حريق المسجد النبوي وميلاد عبد الرحمن بن خلدون

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يكن الأول من رمضان يومًا عابرًا في سجل الحضارة الإسلامية، بل تحوّل عبر القرون إلى علامة زمنية تختزن أحداثًا جسامًا، امتدت من لحظات الألم والفقد، إلى لحظات الميلاد والبناء الفكري.

ففي هذا اليوم اشتعلت النيران في أحد أقدس بقاع الأرض، المسجد النبوي الشريف، فاهتز العالم الإسلامي لوقع الكارثة، وبعد عقود قليلة بزغ فجر عقل استثنائي سيعيد قراءة التاريخ بمنهج غير مسبوق، هو عبد الرحمن بن خلدون.

بين الحريق الذي طال جدران المسجد، والميلاد الذي أشعل ثورة في الفكر الإنساني، تتجلى رمزية هذا اليوم باعتباره نقطة التقاء بين الهدم والبناء، وبين الدمار المعماري والنهضة المعرفية.

حريق المسجد النبوي سنة 654 هـ

في سنة 654 للهجرة، شهد المسجد النبوي في المدينة المنورة حادثًا جللًا ترك أثرًا بالغًا في نفوس المسلمين شرقًا وغربًا. فقد اندلع حريق هائل داخل المسجد، امتدت ألسنة اللهب إلى أجزاء واسعة من المبنى، وأدت إلى سقوط أجزاء من السقف، واحتراق المنبر، وتحطم عدد من الأبواب، فضلًا عن تلف مساحات كبيرة من البناء الخشبي.

ظروف الحريق وتداعياته

تشير المصادر التاريخية إلى أن الحريق نشب ليلًا، ويُرجَّح أنه بدأ من إحدى الجهات التي كانت تضم مخازن أو مواضع إضاءة، قبل أن تمتد النيران بسرعة بسبب وجود الأخشاب في الأسقف والأعمدة. 

ومع غياب وسائل الإطفاء المتقدمة في ذلك العصر، انتشرت النيران بصورة يصعب السيطرة عليها، لتتحول إلى كارثة معمارية حقيقية.

المشهد لم يكن مجرد حادث عرضي، بل فاجعة هزّت الضمير الإسلامي، إذ إن المسجد النبوي ليس بناءً عاديًا، بل هو موضع الصلاة التي كان يؤديها النبي ﷺ، ومثواه الشريف، ومركز انطلاق الدعوة الإسلامية.

صدمة في العالم الإسلامي

انتشر خبر الحريق سريعًا عبر القوافل والرسائل، وأثار حالة من الحزن العميق بين المسلمين. فقد شعروا أن النيران لم تمسّ حجارة البناء فحسب، بل طالت رمزًا دينيًا جامعًا يتجاوز الحدود السياسية.

المدن الكبرى في ذلك العصر  من القاهرة إلى دمشق وبغداد  تلقت الخبر بمرارة، وسرعان ما بدأت الدعوات إلى إعادة إعمار المسجد، باعتباره واجبًا شرعيًا وتاريخيًا.

إعادة الإعمار.. تضامن سياسي وروحي

لم تتأخر الاستجابة طويلًا، إذ شارك حكام وأمراء من مختلف الأقاليم الإسلامية في تمويل عمليات الترميم وإعادة البناء. 

وقد شكّل الحريق دافعًا لإعادة النظر في البنية المعمارية للمسجد، بما يضمن تعزيز متانته وتقليل احتمالات تكرار الكارثة.

عمليات الإعمار لم تكن مجرد ترميم لما تهدّم، بل مثّلت رسالة وحدة وتضامن بين أطراف العالم الإسلامي فالمسجد النبوي ظل رمزًا جامعًا لا يخضع لانقسام سياسي، بل يجمع تحت سقفه كل من يتجه بقلبه إلى المدينة المنورة.

لقد كشفت الكارثة عن مكانة المسجد النبوي بوصفه معلمًا روحيًا عالميًا، تتجاوز أهميته حدود الجغرافيا والسيادة، ليبقى عنوانًا للهوية الإسلامية الجامعة.

الأول من رمضان سنة 732 هـ.. ميلاد عقل سيغيّر قراءة التاريخ

بعد نحو ثمانية عقود من تلك الكارثة، شهد الأول من رمضان سنة 732 للهجرة ميلاد شخصية ستترك أثرًا عميقًا في الفكر الإنساني، هو المؤرخ والمفكر ابن خلدون.

وُلد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون في بيئة علمية وسياسية مضطربة، غير أن اضطراب عصره لم يمنعه من صياغة رؤية فكرية غير مسبوقة، تجاوزت حدود السرد التاريخي التقليدي إلى تأسيس علم جديد قائم على تحليل الظواهر الاجتماعية.

قراءة جديدة للتاريخ

في مؤلفه الضخم «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، لم يكتف ابن خلدون بسرد الوقائع، بل سعى إلى تفسيرها فقد نظر إلى التاريخ بوصفه علمًا يخضع لقوانين العمران البشري، وحاول الكشف عن العوامل التي تؤدي إلى قيام الدول وسقوطها.

أما مقدمته الشهيرة، المعروفة باسم «مقدمة ابن خلدون»، فقد اعتُبرت عملًا علميًا مستقلًا، وضع فيه أسس ما يُعرف اليوم بعلم الاجتماع تناول فيها مفهوم العصبية، ودورها في بناء السلطة، وتحليل الاقتصاد والعمران، بل وناقش تأثير البيئة والجغرافيا في تكوين المجتمعات.

سبقٌ علمي قبل أوروبا بقرون

يرى كثير من الباحثين أن أفكار ابن خلدون سبقت النظريات الاجتماعية الأوروبية بعدة قرون. فقد طرح منهجًا نقديًا يقوم على تمحيص الروايات، ورفض الأخبار غير المنطقية، والبحث عن الأسباب العميقة وراء الأحداث.

ميلاده في هذا اليوم أضفى بُعدًا فكريًا على رمزية الأول من رمضان، إذ لم يقتصر على كونه تاريخًا للأحداث العسكرية أو الكوارث، بل أصبح شاهدًا على انبثاق عقل نقدي أسهم في إعادة تشكيل فهم الإنسان لتاريخه.

بين الحريق والميلاد

إذا كان حريق المسجد النبوي قد مثّل لحظة ألم جماعي، فإن ميلاد ابن خلدون جسّد لحظة أمل فكري الأول من رمضان جمع بين حادثة هدمٍ أصابت أحد أقدس المعالم الإسلامية، وبين بداية مسار فكري سيبقى حيًا في جامعات العالم ومناهج البحث العلمي.

هذا التلاقي بين الدمار والبناء يعكس طبيعة التاريخ نفسه؛ إذ لا يسير في خط مستقيم، بل تتجاور فيه الأزمات والنهضات ومن قلب النيران التي أتت على أجزاء من المسجد، نهضت إرادة الإعمار. ومن قلب اضطرابات العصر الوسيط، خرج مفكر سيضع قواعد لفهم سنن قيام الدول وسقوطها.

تم نسخ الرابط