رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الأول من رمضان.. يومٌ غيّر مجرى التاريخ من ساحات الفتوحات إلى ميلاد العقول الخالدة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

يمرّ اليوم الأول من شهر رمضان في الوجدان الإسلامي بوصفه بداية لشهر الصيام والعبادة، غير أن صفحات التاريخ تكشف أن هذا التاريخ لم يكن مجرّد افتتاح لشهر كريم، بل شكّل على مدار القرون محطةً زمنية ارتبطت بأحداث مفصلية صنعت تحولات دينية وعسكرية وفكرية كبرى.

في هذا اليوم تعانقت لحظات نزول الوحي مع حراك الجيوش، وتجاورت البدايات مع النهايات، فشهد عودة النبي من غزوة فاصلة، ودخول المسلمين مصر، واندلاع معارك حاسمة في أوروبا، كما سُجّل فيه ميلاد علماء غيّروا مسار الفكر الإنساني، ووقوع حريق مروّع في أحد أقدس مساجد المسلمين.

نزول صحف إبراهيم

يرتبط الأول من رمضان في التراث الإسلامي بحدث روحي عظيم، إذ تشير الروايات إلى أن صحف النبي إبراهيم عليه السلام نزلت في أول ليلة من الشهر الكريم.

وقد ورد ذكر «صحف إبراهيم» في القرآن الكريم ضمن سياق التأكيد على وحدة الرسالات السماوية، في إشارة إلى أن الهداية الإلهية تعاقبت عبر العصور، وأن رمضان كان دومًا شهرًا لنزول الوحي، وهو ما يتجلّى لاحقًا في نزول القرآن الكريم.

هذا الارتباط المبكر بين رمضان والوحي يعكس بُعدًا روحانيًا عميقًا للشهر، إذ لم يكن زمنًا للصيام فحسب، بل موسمًا للتجديد الإيماني واستحضار مسيرة النبوات عبر التاريخ.

عودة النبي من تبوك

في الأول من رمضان من السنة التاسعة للهجرة، عاد النبي محمد ﷺ إلى المدينة المنورة بعد انتهاء غزوة تبوك، إحدى أبرز الحملات العسكرية في العهد النبوي.

غزوة تبوك جاءت في ظروف مناخية قاسية، عُرفت بعُسرة الطريق وحرارة الصحراء الشديدة، كما أنها كانت مواجهة استباقية في مواجهة التهديد البيزنطي شمال الجزيرة العربية ورغم أن المعركة لم تشهد قتالًا مباشرًا، فإنها مثّلت استعراضًا للقوة الإسلامية ورسالة ردع سياسية وعسكرية واضحة.

عودة الجيش في هذا التوقيت الرمضاني حملت دلالة معنوية، إذ تزامن شهر الصيام مع لحظة استقرار سياسي بعد مواجهة كبرى، لترسّخ تبوك مكانتها باعتبارها آخر غزوات النبي ﷺ، وبوصفها نقطة تحوّل في تثبيت هيبة الدولة الإسلامية الناشئة.

دخول المسلمين مصر

وفي الأول من رمضان سنة 20 هـ، شهدت مصر حدثًا سيغيّر مسار تاريخها، إذ دخلتها جيوش المسلمين بقيادة القائد عمرو بن العاص، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

لم يكن دخول مصر مجرد توسع جغرافي، بل تحوّلًا استراتيجيًا نقل الدولة الإسلامية إلى قلب العالم القديم فمصر آنذاك كانت تمثل مركزًا اقتصاديًا وزراعيًا بالغ الأهمية، كما كانت بوابة إفريقيا.

الفتح الإسلامي لمصر أرسى نظامًا إداريًا جديدًا، وأسس مدينة الفسطاط، لتبدأ مرحلة طويلة من التفاعل الحضاري بين العرب والمصريين، أسهمت في صياغة هوية ثقافية امتدت آثارها قرونًا.

وفاة مروان بن الحكم.. تأسيس الفرع الثاني للدولة الأموية

في الأول من رمضان سنة 65 هـ، توفي الخليفة الأموي مروان بن الحكم، الذي يُعد مؤسس الفرع الثاني من الدولة الأموية.

رغم أن فترة حكمه كانت قصيرة، فإنها جاءت في لحظة اضطراب سياسي شديد أعقب الفتنة الكبرى. تمكّن مروان من إعادة ترتيب البيت الأموي، ومهّد الطريق لقيام سلالة حكمت العالم الإسلامي من عام 685 حتى 750م، قبل أن تنتقل بقاياها إلى الأندلس حيث استمر حكمها حتى عام 1031م.

وفاته في هذا اليوم تمثل نهاية مرحلة انتقالية حساسة، وبداية عهد سياسي جديد أكثر استقرارًا تحت قيادة خلفائه

خطوات نحو الأندلس.. بداية العبور إلى أوروبا

وفي سنة 91 هـ، شهد الأول من رمضان بداية التحرك الفعلي نحو فتح الأندلس، حين أرسل القائد موسى بن نصير قوة بقيادة طريف بن مالك لاستطلاع الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة الإيبيرية.

كانت تلك الحملة الاستطلاعية تمهيدًا للعبور الكبير الذي قاده لاحقًا طارق بن زياد، وفتح صفحة جديدة في التاريخ الأوروبي. 

هذا التحرك الرمضاني لم يكن مجرد مناورة عسكرية، بل بداية لتحول حضاري امتد قرونًا، نقل العلوم العربية والإسلامية إلى أوروبا، وأنتج تجربة ثقافية فريدة في الأندلس.

تم نسخ الرابط