رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

روسيا تحاصر واتساب.. حماية للأمن القومي أم خطوة لفرض الرقابة الرقمية؟

واتساب
واتساب

في خطوة تعكس تحولات عميقة في المشهد الرقمي الروسي، أصدرت السلطات في روسيا قرارًا بحجب تطبيق واتساب، ضمن مسار متصاعد من القيود المفروضة على منصات المراسلة الأجنبية.

القرار لم يأتِ بمعزل عن سياق سياسي وأمني متشابك، بل جاء امتدادًا لسياسة تتبناها موسكو منذ سنوات، تقوم على إعادة تشكيل الفضاء الإلكتروني بما يتماشى مع ما تصفه بـ"السيادة الرقمية".

التحرك الروسي أثار ردود فعل واسعة، داخليًا وخارجيًا، لا سيما أن التطبيق يُعد من أكثر أدوات التواصل انتشارًا داخل البلاد، حيث يتجاوز عدد مستخدميه حاجز 100 مليون شخص، وبينما تؤكد موسكو أن الخطوة تستند إلى أسباب قانونية وأمنية، ترى الشركة المالكة أن الأمر يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة توجيه المستخدمين نحو بديل محلي تدعمه الدولة.

ميتا تتهم.. وموسكو ترد

الشركة الأم للتطبيق، ميتا، اعتبرت أن القرار يهدف بشكل مباشر إلى دفع المستخدمين الروس نحو تطبيق “ماكس”، وهو منصة مراسلة وطنية تدعمها الحكومة. ووصفت الخطوة بأنها تضييق على وسائل الاتصال الخاصة، محذّرة من أن عزل ملايين المستخدمين عن أدوات تواصل آمنة لن يؤدي إلا إلى تقليص مستوى الأمان الرقمي.

في المقابل، شدد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، في تصريحات لهيئة بي بي سي، على أن القرار يستند إلى “عدم امتثال ميتا لمتطلبات القانون الروسي”، موضحًا أن بإمكان الشركة استئناف نشاطها إذا التزمت بالنصوص القانونية ودخلت في حوار رسمي مع السلطات.

وعندما طُرح عليه سؤال حول ما إذا كانت الحكومة تسعى إلى فرض التطبيق الوطني على المواطنين، اكتفى بيسكوف بالقول إن “البديل المحلي متاح”، في إشارة إلى “ماكس”، دون الإقرار بوجود توجه إلزامي مباشر.

“روسكومنادزور” وتوسيع دائرة القيود

القرار لم يتوقف عند حدود واتساب، إذ أعلنت هيئة تنظيم الإنترنت الروسية، روسكومنادزور، تشديد القيود أيضًا على تطبيق تيليجرام، بدعوى وجود مخاوف أمنية.

ويُعد تيليجرام منصة واسعة الانتشار داخل روسيا، بل تشير تقارير إلى استخدامه على نطاق واسع من قبل القوات الروسية في أوكرانيا، ما جعل الإجراءات الأخيرة محل انتقاد من مدونين مؤيدين للحرب، اعتبروا أن التضييق يعقّد الاتصالات الميدانية.

الرئيس التنفيذي لتيليجرام، بافل دوروف، لم يتأخر في الرد، معتبرًا أن القيود تهدف إلى دفع المستخدمين نحو تطبيق حكومي يمكن توظيفه لأغراض رقابية. 

وأشار إلى أن تجارب سابقة في دول أخرى، مثل إيران، أظهرت أن حظر التطبيقات الأجنبية لم يمنع المستخدمين من التحايل على القيود عبر أدوات كالشبكات الخاصة الافتراضية.

من الغزو إلى “الإنترنت السيادي”

منذ ما قبل اندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا عام 2022، كانت موسكو تعمل على تطوير نموذج خاص بها للإنترنت، يُعرف بمفهوم “الإنترنت السيادي”، يتيح لها إدارة حركة البيانات داخليًا وتقليل الاعتماد على البنية التحتية العالمية.

تسارعت هذه الجهود بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب، حيث فرضت الحكومة سلسلة من القيود على المنصات الغربية وفي العام ذاته، صنّفت السلطات الروسية شركة ميتا كـ"منظمة متطرفة"، وهو ما أدى إلى حجب منصات أخرى تابعة لها مثل فيسبوك وإنستجرام، مع استمرار إمكانية الوصول إليها عبر VPN دون تجريم المستخدمين.

وفي هذا السياق، أفادت وكالة الأنباء الرسمية تاس بأن الحظر الدائم لواتساب قد يدخل حيز التنفيذ بحلول عام 2026، مستندة إلى تصريحات للنائب الروسي أندريه سفينتسوف، الذي اعتبر أن الإجراءات الصارمة “مبررة بالكامل” في ظل التصنيف القانوني لميتا.

التطبيق الحكومي “ماكس” يُسوّق له باعتباره منصة شاملة، تجمع بين خدمات المراسلة والخدمات الحكومية الرقمية، في نموذج يشبه إلى حد بعيد تطبيق WeChat الصيني.

منذ عام 2025، فرضت السلطات الروسية تثبيت التطبيق مسبقًا على جميع الأجهزة الجديدة المباعة في البلاد، مع تقارير عن إلزام موظفي القطاع العام والمعلمين والطلاب باستخدامه في المعاملات الرسمية والتواصل الإداري.

منتقدو “ماكس” يحذرون من إمكانية استخدامه كأداة رقابة واسعة النطاق، في ظل ملكيته الحكومية، بينما تنفي وسائل الإعلام الرسمية هذه الاتهامات، مؤكدة أن الهدف هو تعزيز الأمن الرقمي وحماية البيانات الوطنية.

ذريعة تخزين البيانات ومكافحة الاحتيال

تقول موسكو إن كلًا من واتساب وتيليجرام رفضا الالتزام بالقانون الروسي الذي يفرض تخزين بيانات المستخدمين الروس داخل البلاد. 

كما تتهم واتساب بأنه من أبرز المنصات المستخدمة في عمليات الاحتيال المالي، معتبرة أن الانتقال إلى تطبيق وطني سيساعد في الحد من هذه الجرائم.

تم نسخ الرابط