رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

ثلاثة رحلوا والنار لم تعتذر.. قصة أم وطفليها رحلوا في حريق بمنشأة القناطر

حريق في إحدى الشقق
حريق في إحدى الشقق السكنية

لم يكن مصرع أم وطفليها في حريق بمحافظة القليوبية خبرًا عابرًا في نشرة المساء، بل لحظة حاسمة توقفت عندها حياة كاملة داخل شقة صغيرة بمدينة منشأة القناطر، حيث استيقظت أم مع طفليها على يوم عادي يشبه كل الأيام، قبل أن تتحول دقائق قليلة إلى دخان كثيف، وصراخ مكتوم، ونيران أغلقت كل الطرق، تاركة خلفها سؤالًا ثقيلًا عن كيف يمكن لبيت مأهول بالحياة أن يصبح فجأة شاهدًا صامتًا على النهاية.

رائحة غريبة تسللت ببطء

كانت الأم تعيش أيامها على إيقاع متكرر لا تملّه، تستيقظ مبكرًا، تُحضّر الطعام، تراجع مع طفليها واجباتهما، وتؤجل أحلامها الكبيرة إلى وقت غير معلوم، مؤمنة بأن الصبر وحده يكفي لصناعة غدٍ أفضل، ولم تكن تعرف أن الغد لن يأتي، وأن اليوم نفسه لن يكتمل.

في تلك اللحظة التي اشتعلت فيها النيران، لم تسمع الأم صوت الانفجار الأول، بل شمّت رائحة غريبة تسللت ببطء، حاولت تجاهلها في البداية، لكنها حين التفتت رأت اللهب يزحف على الجدران ككائن حيّ، لا يرحم ولا يتردد، فصرخت تنادي طفليها، واحتضنتهما محاولة أن تصنع من جسدها درعًا، ومن صوتها طمأنينة، ومن قلبها مخرجًا لا وجود له.

كانت الشقة تضيق شيئًا فشيئًا، والدخان يملأ الرئتين، والحرارة تلسع الجلد، بينما كانت الأم تحاول فتح الأبواب والنوافذ دون جدوى، تشد المقبض مرة بعد أخرى، تصلي، تبكي، ثم تعود لتحتضن طفليها وكأن العناق قد يؤجل النهاية.

في الخارج، تجمّع الناس، وارتفعت الأصوات بالدعاء والنداء، لكن الجدران السميكة لم تنقل سوى الصدى، وكانت الدقائق تمر ثقيلة، بينما داخل الشقة كانت الحياة تنسحب ببطء، وتتحول الأنفاس إلى همسات، والهمسات إلى صمت.

وصول سيارات الإسعاف 

حين وصلت سيارات الإطفاء وأخمدت النيران، لم يكن هناك ما يمكن إنقاذه سوى جدران سوداء وذكريات محترقة، وصور ذابت أطرافها، وألعاب أطفال تحوّلت إلى رماد، بينما خرجت الأم وطفلاها محمولين على أكتاف الصمت، دون أن يعرف أحد في أي لحظة تحديدًا توقفت قلوبهم عن الأمل.

في اليوم التالي، خرجت ثلاث نعوش بيضاء من المستشفى. لم يكن هناك ضجيج، فقط صمت ثقيل، ووجوه لا تعرف كيف تفسر ما حدث. أم رحلت ومعها طفلان، بلا وداع، بلا خطأ واضح، فقط لحظة إهمال، أو سلك مهترئ، أو قدر قرر أن يطرق الباب بعنف.

تم نسخ الرابط