مصر وتركيا تقارب جديد بعد عقد من التوتر.. هل انتهت الأزمة؟
لم تكن العلاقات بين مصر وتركيا يومًا ثابتة أو مستقرة، بل كانت تعكس دائمًا التفاعلات السياسية في منطقة الشرق الأوسط المتقلبة، حيث تتداخل المصالح الوطنية مع الأيديولوجيات المختلفة، ومن شراكة إقليمية واعدة إلى قطيعة سياسية حادة، ثم إلى مرحلة من التقارب الحذر، يظل السؤال الأهم: هل دخلت القاهرة وأنقرة مرحلة شراكة استراتيجية جديدة أم أن هذه التهدئة هي مجرد لحظة مؤقتة؟
بداية التعاون الاقتصادي: اتفاقية التجارة الحرة 2005
في عام 2005، تم توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتركيا، وهو ما أسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بشكل ملموس.
فخلال السنوات الماضية، شهد التبادل التجاري بين البلدين نموًا ملحوظًا، ما يعكس تزايد التفاعلات التجارية رغم الخلافات السياسية التي نشأت لاحقًا.
الصادرات المصرية إلى تركيا شملت المنتجات الزراعية مثل البرتقال، الطماطم، والفواكه المجففة، فضلاً عن الصناعات التحويلية مثل القطن والمنسوجات، بينما شكلت الواردات التركية من مصر قطاع السيارات وقطع الغيار، الأجهزة الكهربائية، والمعدات الصناعية.
التوتر السياسي: عام 2013 نقطة التحول
مثل عام 2013 نقطة فارقة في العلاقات المصرية-التركية بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. تبنّت أنقرة موقفًا سياسيًا معارضًا للسلطة الجديدة في مصر، وهو ما اعتبرته القاهرة تدخلًا سافرًا في الشؤون الداخلية.
نتيجة لذلك، تم تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وسادت لغة التصعيد، بينما استمرت العلاقات الاقتصادية في المسار الطبيعي، مما كشف عن التناقض بين السياسة والاقتصاد.
تصاعد التوترات: ليبيا وشرق المتوسط
لم تقتصر الخلافات على الجوانب السياسية الداخلية فقط، بل امتدت إلى صراعات نفوذ إقليمية معقدة، خاصة في ملفات مثل:
الملف الليبي: حيث دعمت مصر الدولة الوطنية والمؤسسات المنتخبة، بينما تدخلت تركيا عسكريًا لصالح حكومة طرابلس. هذا التباين حول الأزمة الليبية عمّق الخلافات بين البلدين.
شرق المتوسط والطاقة: في وقت تصاعدت فيه أنشطة منتدى غاز شرق المتوسط، الذي أسسته مصر مع اليونان وقبرص، اعتبرت تركيا هذه التحركات إقصاء لها من معادلة الطاقة في المنطقة، مما زاد من حدة الخلافات الجيوسياسية.
متغيرات إقليمية ودولية: بداية التقارب في 2021
ومع حلول عام 2021، بدأت تتغير المتغيرات الإقليمية والدولية، مما ساهم في تخفيف التوترات بين أنقرة والقاهرة.
تزامن ذلك مع تراجع المشاريع الاستقطابية في المنطقة، والأزمات الاقتصادية التي تعيشها تركيا، والتغيرات في أولويات القوى الدولية تجاه الشرق الأوسط، ما فتح المجال نحو خفض التوترات الإقليمية.
وفي هذا السياق، بدأت تركيا إرسال رسائل تهدئة، وتغيّرت لهجتها الإعلامية، وتم فتح قنوات دبلوماسية للتواصل مع مصر.
المحادثات الاستكشافية: اختبار النوايا
انطلقت جولات المحادثات الاستكشافية بين البلدين، حيث تم مناقشة عدة قضايا حساسة:
احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ملفات شرق المتوسط وليبيا.
تنظيم الوجود الإعلامي والسياسي للمعارضين.
ورغم بطء التقدم، إلا أن هذه المحادثات كشفت عن رغبة مشتركة في إدارة الخلافات بدلاً من تصعيدها.
استعادة العلاقات الدبلوماسية: خطوة نحو المستقبل
شهدت العلاقات بين القاهرة وأنقرة نقطة تحول مهمة مع استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل السفراء، والقيام بزيارات رفيعة المستوى بين الجانبين. أكد الطرفان في بيانات رسمية التزامهما ببناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة، التعاون الاقتصادي، والتنسيق في القضايا الإقليمية الحساسة، مثل غزة وليبيا.
الاقتصاد في الصدارة: التعاون الاقتصادي محرك أساسي
يعد الاقتصاد حجر الزاوية في التحول الذي تشهده العلاقات بين البلدين. حيث شهد التبادل التجاري بين مصر وتركيا تطورًا ملحوظًا، وتوسعت الاستثمارات التركية في السوق المصرية. بالإضافة إلى ذلك، تسعى تركيا للاستفادة من موقع مصر كبوابة للأسواق الإفريقية، في حين تهدف القاهرة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الصناعية.
الاقتصاد أصبح صمام أمان للعلاقات السياسية بين البلدين، إذ يرى الخبراء أن المصالح الاقتصادية باتت تشكل عاملاً حاسمًا في استمرار التعاون بين البلدين.
التحديات المستقبلية: هل الثقة مكتملة؟
رغم التحسن في العلاقات، لا تزال هناك عدة ملفات شائكة تؤثر على العلاقات بين البلدين. من أبرز هذه الملفات:
التباين في الرؤى حول بعض القضايا الإقليمية.
إرث من عدم الثقة الذي يحتاج إلى وقت لتجاوزه.
ضرورة ترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية.
ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى أن الطرفين يتعاملان بواقعية سياسية، حيث يسعى كل منهما إلى تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب.
آفاق المستقبل: شراكة اقتصادية أم مرحلة مؤقتة؟
في الختام، تشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقات بين مصر وتركيا قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، لا سيما في المجال الاقتصادي. ولكن، يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الشراكة ستستمر أو ستكون مجرد تهدئة مؤقتة، مع استمرار التحديات السياسية التي قد تطرأ في المستقبل.