رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

رائد الديب يكتب: الخنازير كانت موجودة لكن كانت تتجمل.. سقط القناع

تفصيلة

حين تتحكم القوة في القيم، وتاريخ طويل مليء بالانحطاط، قرون من الخسة روجت خلالها النخب الغربية لأنفسهم بأنهم أرباب "الحضارة الإنسانية"، رافعين شعارات كاذبة لإخفاء حقيقتهم خلف مشعل التقدم والعقلانية.. لكن سقط القناع وظهرت الخنازير على حقيقتها.

سجل تاريخي _ حين يقرأ بلا تزويق _ ستكشف مفارقة صارخة؛ منجزات علمية هائلة يقابلها انحدار أخلاقي وسياسي عميق، سجل مليء بالانحطاط لم يبدأ العنف المنظم فيه صدفة، بل تشكل داخل بنية فكرية وسياسية رسخت الإقصاء باسم "الخلاص" و"التقدم"؛ محارق للعلماء ومحاكم للتفتيش وصكوك للغفران؛ ممارسات شيطانية تأسست داخل أوروبا، أحرق فيها العقل باسم الإيمان.. حروب خاضوها خلف الدين، ودين مسيس، وفتح أبواب للمجازر والنهب خلف ستار الرايات المقدسة _ والدين بريء من أفعالهم.

ومن الخلاص إلى التقدم نحو إبادة الشعوب الأصلية بالأمريكتين وأستراليا واستيطان أراضيهم، لتأسيس "عالم جديد" على أنقاض بشر وثقافات.. حربان عالميتان، وصراعات أوروبية فجرت كوارث كونية.. أضف إلى كل تلك الكوارث كارثة أخرى ألا وهي "هيروشيما وناجازاكي"؛ ذروة "إنجازهم الأسود" حين تمحى مدن كاملة بسلاح نووي.. ومن ثم نصل إلى استعباد إفريقيا ونهب ثرواتها، قرون من العبودية المنظمة، البوسنة وكوسوفو، ومجازر في قلب أوروبا الحديثة.. العراق وأفغانستان وغزة؛ تدبير وتنفيذ وسياسات غربية تركت دولا مدمرة وشعوبا جريحة.. حتى نصل إلى القرصنة الحديثة ونهب النفط _ "كما في فنزويلا" _  هيمنة بثوب قانوني على حد زعمهم وقوانينهم التي تخدم مصالحهم.

أفعال خبيثة، ليست حوادث متفرقة، بل نمط متكرر حين تنفصل القوة عن الضمير.. علم بلا إنسانية، هالة زائفة من التجمل بمساحيق "حقوق الإنسان، القانون الدولي" الذي يخدم فقط مصالحهم، مسميات كلها تجميلية تخفي حقيقة هذه الأمم التي لا تعرف إنسانية ولا رحمة ولا عدالة.. لتختزل حضارتهم في السلاح والمال، فانحدر الإنسان إلى ما دون القيم التي ادعوا الدفاع عنها.. فظهرت فضائح نخبهم بسقوط القناع.

تقارير صحفية ووثائق متداولة _ لم يحسم معظمها قضائيا حتى الآن _ لكن حتى قضاؤهم بات مشكوكا فيه أيضا.. تسريبات تفجرت لتفتح ستارا في قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين، لتكشف _ وفقا لتقارير إعلامية غربية _ عن شبكة علاقات اجتماعية وسياسية ومالية واسعة، تتضمن ادعاءات اعتداءات جنسية واغتصابات، واتجارا بقصر ومحاولات ابتزاز.. بل الأكثر مما يتخيله عقل.. ليس مهما الآن الأسماء رغم أهميتها لكن، المهم هو توقيت تلك التسريبات وتزامنها مع تحولات سياسية كبرى في غزة وإيران والأراضي المحتلة، ما يطرح أسئلة حول ملفات الضغط؛ لابتزاز، وإعادة تموضع، وكيف تستخدم في لحظات مفصلية؛ لصناعة قرارات تحت الضغط—وهي أدوات مألوفة في عالم الهيمنة.. ليصبح الشرق الأوسط بين النار والضغط.. ومحاولة من العدو إشعال الإقليم بهذه الأوراق الخبيثة.

من تصعيد، لحروب، ومحاولة لإحراق نفط الشرق الأوسط، وتمرير لخرائط جديدة، وإنشاء صراعات تفكك المنطقة اقتصاديا وأمنيا.. ليواجه عالمنا اليوم سلاح التفرق فيما بيننا سلاح حين ننشغل ببعضنا، لتدار ملفاتنا من الخارج، وتستنزف مواردنا، وتصاغ مصائرنا بغير إرادتنا.. فلابد أن يكون خط الدفاع الأول هو وحدتنا.. وقيمنا الإنسانية، والعدالة، والاحترام فيما بيننا، كل ذلك قادرة على كسر دائرة الهيمنة.. فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات التي تنجو ليست الأقوى سلاحا، بل الأصدق قيما والأصلب تماسكا وترابطا فيما بينها.. توحدوا وتماسكوا قبل أن يعاد رسم عالمنا على أنقاضنا.

 

رائد الديب _ كاتب صحفي وباحث سياسي

تم نسخ الرابط