مصر تقود مفاوضات أممية لإعادة صياغة النظام الضريبي العالمي
في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في موقع مصر داخل منظومة الاقتصاد العالمي، تتجه الأنظار إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث تقود القاهرة، للمرة الأولى بهذا الزخم، واحدة من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية وتعقيدًا على الساحة الدولية: إعادة صياغة النظام الضريبي العالمي.
مع سفر رامي يوسف، مساعد وزير المالية للسياسات الضريبية، لرئاسة أعمال اللجنة الدولية الحكومية المعنية بصياغة «اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتعاون الضريبي الدولي»، تدخل مصر مرحلة جديدة من التأثير المباشر في هندسة السياسات المالية العالمية، واضعة نفسها في موقع الوسيط وصانع التوافق بين الاقتصادات الكبرى والدول النامية.
اللجنة الدولية للتعاون الضريبي
تمثل اللجنة الدولية الحكومية للتعاون الضريبي واحدة من أكثر المنصات الأممية تعقيدًا، إذ تجمع تحت مظلتها أطرافًا متباينة المصالح:
قوى اقتصادية كبرى تمتلك شركات عابرة للحدود.
اقتصادات ناشئة تسعى لتعزيز حصتها من الإيرادات الضريبية.
دول نامية تعاني من استنزاف مواردها بسبب التهرب الضريبي ونقل الأرباح.
ومنذ انطلاق أعمال اللجنة، تحولت الاجتماعات إلى ما يشبه مختبرًا دوليًا لصياغة قواعد جديدة للعدالة المالية، في عالم تغيّرت فيه طبيعة الإنتاج، وأصبحت القيمة الاقتصادية تُخلق عبر منصات رقمية وأسواق افتراضية عابرة للحدود.
اتفاقية أممية قيد التشكيل
تهدف المفاوضات الجارية إلى وضع الأسس القانونية والفنية لمعاهدة دولية شاملة، تُعد الأولى من نوعها تحت مظلة الأمم المتحدة في مجال التعاون الضريبي الدولي.
وتسعى هذه الاتفاقية الإطارية إلى:
توحيد المبادئ العامة للتعاون الضريبي بين الدول.
معالجة الثغرات التي تستغلها الشركات متعددة الجنسيات للتهرب من الضرائب.
تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الحقوق الضريبية بين الدول.
ومن المقرر أن تُرفع النتائج النهائية والتوصيات الرسمية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بحلول يوليو 2027، ما يمنح المفاوضات الحالية وزنًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
توافق دولي صعب… لكنه يتشكل
رغم التباينات الحادة في المواقف، شهدت أعمال اللجنة تطورًا ملموسًا في محاولات تقريب وجهات النظر بين القوى الاقتصادية الكبرى من جهة، والاقتصادات الناشئة والنامية من جهة أخرى.
وبدأت ملامح هذا التوافق تظهر تدريجيًا حول عدد من القضايا الشائكة التي ظلت لعقود محل خلاف دولي، في مقدمتها:
توزيع الحقوق الضريبية بين دول المقر ودول النشاط الاقتصادي.
كيفية فرض الضرائب على الأرباح المتولدة من المعاملات العابرة للحدود.
التعامل الضريبي مع الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية.
هذا التقدم، وإن كان بطيئًا، يُعد مؤشرًا على إدراك عالمي متزايد بأن النظام الضريبي الحالي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الاقتصادية المتسارعة
الشركات متعددة الجنسيات تحت المجهر
تحتل الشركات متعددة الجنسيات قلب النقاش داخل اللجنة، بوصفها اللاعب الأبرز في الاقتصاد العالمي، وفي الوقت ذاته أحد أهم مصادر الخلل الضريبي.
وتركز المفاوضات على وضع آليات تضمن:
تحصيل الضرائب في الدول التي يتم فيها تحقيق القيمة الفعلية، لا فقط حيث تُسجَّل الأرباح محاسبيًا.
الحد من ممارسات نقل الأرباح إلى الملاذات الضريبية.
تحقيق قدر من التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الحقوق السيادية للدول.
وتسعى الدول النامية، بدعم من رئاسة اللجنة، إلى تحويل هذه المبادئ إلى قواعد ملزمة، تكفل لها نصيبًا عادلًا من الإيرادات الضريبية التي تُستنزف سنويًا.
تمكين الدول النامية: الضرائب كأداة للتنمية
أحد المحاور الجوهرية في أعمال اللجنة يتمثل في دعم الموارد السيادية للدول النامية، عبر تمكينها من تعظيم إيراداتها الضريبية.
فالضرائب، في هذا السياق، لا تُطرح كأداة مالية فحسب، بل كوسيلة لتحقيق:
أهداف التنمية المستدامة.
تمويل الخدمات العامة الأساسية.
تقليل الاعتماد على الديون والمساعدات الخارجية.
وتبرز هنا أهمية الدور المصري، الذي يتبنى خطابًا يربط بين العدالة الضريبية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في الدول ذات الاقتصادات الهشة.
رامي يوسف.. رئاسة دولية بثقة عالمية
انتخاب رامي يوسف رئيسًا لهذه اللجنة رفيعة المستوى لم يأتِ من فراغ، بل يعكس ثقة المجتمع الدولي في الكفاءات المالية المصرية وقدرتها على إدارة ملفات شديدة التعقيد.
وتتطلب رئاسة اللجنة:
مهارات تفاوض عالية بين أطراف متعارضة المصالح.
فهمًا عميقًا لتحديات الاقتصاد الرقمي.
قدرة على صياغة حلول وسط قابلة للتطبيق عالميًا.
ويمثل هذا المنصب اعترافًا دوليًا متزايدًا بالدور المصري في الملفات الاقتصادية متعددة الأطراف، خاصة في ظل التحولات الجارية في النظام المالي العالمي.