د.محمد عسكر يكتب: هوس الشهرة في زمن السوشيال ميديا
لم يعد الوصول إلى الشهرة في عصر السوشيال ميديا بحاجة إلى موهبة، أو ثقافة، أو حتى فكرة واضحة. كل ما تحتاجه هو هاتف ذكي، اتصال بالإنترنت، وجرأة كافية لفعل أي شيء… أي شيء فعلًا. فالعالم الرقمي اليوم لا يسألك: ماذا تقدم؟ بل يكتفي بسؤال أبسط وأصدق: هل ستجعلنا نتوقف عن التمرير لثانيتين؟
في هذا العصر الذهبي للمشاهدات، تحوّل الجميع تقريباً إلى مشروع صانع محتوى. لا فرق إن كنت خبيراً أو جاهلاً، مثقفاً أو مرتجلاً، المهم أن تكون حاضراً، وأن تُنتج، وأن تظل ظاهراً. فالغائب عن الشاشة، كالغائب عن الحياة، لا يُحسب.
اللافت للنظر أن كثيرين باتوا يطاردون الشهرة كما لو كانت غاية وجودية، لا وسيلة. الشهرة لم تعد نتيجة، بل أصبحت مشروعاً مستقلاً بذاته. اسأل أحدهم: لماذا تفعل هذا؟ سيجيبك بثقة: عشان أوصل.
إلى أين؟ لا أحد يعرف، لكن المهم هو الوصول.
أما المحتوى، فهو تفصيل قابل للتعديل أو الاستغناء. قد يكون مقطعاً بلا معنى، فكرة بلا سياق، رأياً بلا معرفة، أو حتى فضيحة مصطنعة. والجمهور – كما يبدو – لا يمانع. بل على العكس، يكافئ، يشارك، ويحوّل اللاشيء إلى حدث، والتفاهة إلى ترند.
وهنا لا بد من توجيه تحية خاصة إلى الخوارزميات، هذه الكائنات الغامضة التي لا تفهم في الأدب ولا الفلسفة ولا الذوق العام، لكنها تفهم جيداً شيئاً واحداً: التفاعل. كلما صرخت أكثر، رقصت أغرب، أو أثرت جدلاً أوسع، زادت فرصك في الرضا الخوارزمي، ذلك الرضا الذي يفتح لك أبواب الانتشار، ويغلق في وجهك باب المعنى.
في هذا المشهد، يصبح المحتوى الجاد كائناً مهدداً بالانقراض. تحليل عميق؟ طويل. فكرة ثقافية؟ مملة. نقاش عقلاني؟ لا يصلح لـ الريلز. فالسرعة مطلوبة، والاختصار فضيلة، والتفكير الزائد ترفاً لا مكان له. نحن في زمن هات الزبدة بسرعة، حتى لو كانت بلا طعم.
الأخطر أن هذا النموذج لم يعد استثناءً، بل تحول إلى قدوة. أجيال كاملة تنشأ وهي ترى أن الشهرة تُنال دون جهد، وأن النجاح يقاس بعدد المتابعين، وأن القيمة تُحدَّد بعدد المشاهدات. لا أحد يسأل عن المصدر، أو الفكرة، أو الأثر. المهم أن الرقم يرتفع، لأن الرقم – كما يبدو – لا يكذب.
ورغم هذا المشهد العبثي، لا يمكن إنكار أن الفضاء الرقمي لا يزال يحتضن تجارب جادة ومحتوى نوعي، يقدم معرفة حقيقية وتحليلات عميقة، بل وإبداعاً فنياً راقياً. غير أن هذه الأصوات غالباً ما تتحدث بهدوء في ساحة تعشق الصراخ، وتحاول التفكير في عالم لا يمنحك وقتاً للتفكير. وهكذا، تجد نفسها في منافسة غير عادلة مع محتوى يولد ليموت بعد 24 ساعة، لكنه يحقق ما يكفي من الضجيج.
والحقيقة أن المسؤولية هنا موزعة بين: صانع محتوى يبحث عن الانتشار بأي ثمن، جمهور يستهلك دون تمييز، ومنصات لا ترى أبعد من الأرقام. الجميع يشكو، والجميع مشارك، والجميع يتساءل بدهشة: كيف وصلنا إلى هنا؟
ربما المشكلة ليست في السوشيال ميديا ذاتها، بل في استخدامنا لها، وفي الفراغ الذي نحاول ملأه بالظهور المستمر. ففي عالم يخاف من الصمت، يصبح أي ضجيج مقبولاً، حتى لو كان بلا معنى.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً:
هل نحن أمام عصر محتوى بلا محتوى؟ أم أمام جمهور لا يبحث عن المعنى أصلاً؟
إلى أن نجد الإجابة، سيستمر العرض…
دكتور /محمد عسكر
إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى