تصدير كلاب الشوارع.. اقتراح غير مسبوق لنقيب الفلاحين يفتح ملفًا شائكًا بين الاقتصاد والإنسانية
في توقيت تتصاعد فيه النقاشات حول ملف الكلاب الضالة في الشوارع المصرية، فجّر تصريح صادر عن نقيب عام الفلاحين حسين عبد الرحمن أبو صدام موجة واسعة من الجدل، بعدما طرح فكرة تصدير الكلاب الضالة إلى الخارج، وتحديدًا إلى دول مثل الصين والفلبين، باعتبارهما بحسب قوله تعانيان نقصًا حادًا في أعداد الكلاب اقتراح بدا للبعض غير مألوف، ولآخرين صادمًا، لكنه في الوقت نفسه أعاد ملف الكلاب الضالة إلى واجهة النقاش العام، ليس فقط من زاوية الخطر الصحي، بل أيضًا من زاوية التوازن البيئي، والأمن المجتمعي، والبعد الاقتصادي، والاعتبارات الإنسانية.
أرقام صادمة: 11 مليون كلب ضال في الشوارع
استند نقيب الفلاحين في طرحه إلى أرقام وصفها بالخطيرة، مؤكدًا أن مصر تضم ما يقرب من 11 مليون كلب ضال، وهو رقم يتجاوز بكثير حسب تقديره احتياجات البيئة المصرية وقدرتها على الاستيعاب هذا الرقم، إن صح، يضع مصر ضمن الدول الأكثر معاناة من ظاهرة الكلاب الضالة، ويطرح تساؤلات جدية حول السياسات المتبعة في التعامل مع هذه الأزمة المتفاقمة منذ سنوات دون حلول جذرية واضحة.
كلاب الشوارع.. حراس غير معلنين للمناطق السكنية
في دفاعه عن اقتراح التصدير، حرص أبو صدام على كسر الصورة النمطية التي تربط الكلاب الضالة فقط بالخطر أو الإزعاج، مشيرًا إلى أن الكلاب البلدي في مصر تلعب دورًا مهمًا في حماية المناطق السكنية، إذ تمنع تسلل الذئاب أو الحيوانات المفترسة إلى القرى، كما تشكل خط دفاع طبيعي ضد اللصوص والمتسللين، وهو ما يمنح السكان خاصة في المناطق الريفية شعورًا بالأمان.
ويرى نقيب الفلاحين أن دولًا عديدة تسعى إلى تعزيز هذا الدور الأمني غير الرسمي عبر وجود الكلاب في محيط التجمعات السكنية، ما يجعل الطلب عليها أمرًا واقعيًا وليس خياليًا.
الصين والفلبين في دائرة الاقتراح
إشارة أبو صدام إلى الصين والفلبين لم تمر مرور الكرام، إذ أثارت تساؤلات حول طبيعة الطلب المحتمل في تلك الدول، وهل المقصود استخدام الكلاب لأغراض أمنية أم لأغراض أخرى؟ ورغم عدم تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذا “النقص الحاد” الذي تحدث عنه، إلا أن ذكر هذه الدول تحديدًا فتح بابًا واسعًا للتأويلات، وأعاد للأذهان الجدل العالمي حول تجارة الحيوانات واستخداماتها المختلفة، بين ما هو مشروع وما يثير تحفظات أخلاقية وإنسانية.
التوازن البيئي.. كلمة السر في الطرح
يرى نقيب الفلاحين أن القضية لا يجب أن تُختزل في بعدها الإنساني فقط، بل ينبغي النظر إليها من زاوية التوازن البيئي. فزيادة أعداد الكلاب الضالة من وجهة نظره تؤدي إلى اختلال هذا التوازن، سواء من حيث الضغط على الموارد الغذائية، أو زيادة احتمالات انتشار الأمراض، أو تصاعد الصدام بينها وبين المواطنين.
ويعتبر أن تصدير جزء من هذه الأعداد قد يكون حلًا “غير تقليدي” لكنه يحقق مصلحة مزدوجة: تخفيف العبء الداخلي، وتلبية احتياجات دول أخرى.
حملة «يد واحدة ضد السعار».. تقليل لا إبادة
في خضم الجدل، حرص أبو صدام على التأكيد أن الدولة لا تتجه إلى إبادة الكلاب الضالة، مشيرًا إلى الحملة التي أطلقتها وزارة الزراعة تحت شعار «يد واحدة ضد السعار»، والتي تستهدف الحد من أعداد الكلاب الضالة عبر التطعيم والتعقيم، وليس القضاء عليها.
وأوضح أن الهدف الرئيسي من الحملة هو حماية الصحة العامة، ومنع انتشار مرض السعار، الذي يمثل خطرًا حقيقيًا في حال غياب السيطرة البيطرية، مؤكدًا أن أي حلول يجب أن تسير في هذا الإطار، لا أن تنحرف نحو العنف أو الإبادة الجماعية.
دعوة للمواطنين: التطعيم والإطعام بدل العداء
في مفارقة لافتة، دعا نقيب الفلاحين المواطنين إلى تغيير نظرتهم للكلاب الضالة، مطالبًا بتطعيم الكلاب المملوكة للأفراد، وعدم التخلي عنها في الشوارع، إلى جانب وضع طعام للكلاب الضالة بدل التعامل معها كعدو دائم.
هذه الدعوة تعكس إدراكًا بأن الأزمة ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي نتاج سلوكيات مجتمعية متراكمة، من بينها التخلي عن الحيوانات الأليفة، وغياب ثقافة الرفق بالحيوان، وضعف الوعي الصحي.
بين الاقتصاد والإنسانية.. أسئلة بلا إجابات
اقتراح تصدير الكلاب يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة:
هل تمتلك مصر بنية تشريعية وتنظيمية تسمح بتصدير الحيوانات بهذه الطريقة؟
كيف سيتم ضمان عدم تعرّض هذه الكلاب لسوء معاملة في الخارج؟
وهل يمكن تحويل أزمة إنسانية وبيئية إلى فرصة اقتصادية دون الوقوع في فخ الاتجار غير الأخلاقي بالحيوانات؟
حتى الآن، لا توجد إجابات رسمية واضحة عن هذه الأسئلة، ما يجعل الاقتراح أقرب إلى فكرة قابلة للنقاش منها إلى خطة تنفيذية جاهزة.