انكسار الغلاء.. الاقتصاد المصري يروض التضخم بهبوط تاريخي بنسبة 47.7% في 2025
شهد عام 2025 تحولاً دراماتيكياً ومفصلياً في مسار الاقتصاد المصري، حيث نجحت الدولة في كبح جماح التضخم التي أرقت الأسواق لسنوات، عبر أدواتها النقدية والمالية.
هبوط كبير في التضخم الأساسي
وسجل التضخم الأساسي تراجعاً لافتاً ومبشراً من مستوى 22.59% في مطلع يناير وصولاً إلى 11.8% بحلول ديسمبر، وهو ما يمثل انخفاضاً جوهرياً بنحو 47.7% من قيمة التضخم المسجلة في بداية العام؛ هذا الهبوط لم يكن مجرد رقم عابر، بل جاء انعكاساً لسياسات انضباطية صارمة وإصلاحات هيكلية عميقة ساهمت في امتصاص الصدمات السعرية العنيفة، مما مهد الطريق لاستعادة استقرار القوة الشرائية للمواطنين وتعزيز الثقة في العملة المحلية.
رحلة هبوط التضخم من ذروة يناير
لقد افتتح التضخم عامه عند قمة منحنى الارتفاع في يناير، متأثراً بتراكم تكاليف الاستيراد وتقلبات أسواق الطاقة العالمية التي ألقت بظلالها على تكلفة الإنتاج المحلي، إلا أن هذه الضغوط سرعان ما انكسرت حدتها مع حلول الربع الأول من العام.
وسجلت المعدلات هبوطاً حاداً وغير متوقع لتلامس مستوى 9.40% في مارس، وهو المستوى الأدنى المسجل طوال العام؛ ويُعزى هذا الانكسار السريع إلى حزمة من السياسات النقدية الانكماشية التي انتهجها البنك المركزي المصري، والتي ركزت بشكل أساسي على تقييد السيولة الفائضة في الأسواق وتقليل الضغط على الدولار، مما أدى بشكل مباشر إلى استقرار أسعار السلع الاستراتيجية وتراجع حدة المضاربات.
البنك المركزي.. هندسة الاستقرار واحتواء الأزمات
لعبت الإدارة الدقيقة للسياسة النقدية دور "صمام الأمان" في هذه المرحلة، حيث استهدف البنك المركزي امتصاص فائض السيولة عبر الحفاظ على مستويات فائدة حقيقية مشجعة للادخار، وهو ما ساعد في تبديد التوقعات التضخمية السلبية لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، ساهم التنسيق الحكومي في توفير التدفقات الدولارية اللازمة للإفراج عن البضائع العالقة في الموانئ، مما أدى إلى حدوث وفرة ملحوظة في المعروض السلعي وقطع الطريق أمام أي محاولات للاحتكار أو التلاعب بالأسعار، محولاً بذلك دفة الاقتصاد من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة جني ثمار الاستقرار.
مرونة الاقتصاد وآفاق المستقبل
وعلى الرغم من حالة التذبذب الطفيفة التي ظهرت في الربع الثاني بوصول التضخم إلى 13.1% في مايو، إلا أن النصف الثاني من العام عكس نضجاً اقتصادياً كبيراً، حيث استقرت المعدلات في نطاق ضيق تراوح ما بين 10.7% و12.5%، ما يشير إلى أن الاقتصاد المصري بدأ يكتسب مرونة كافية لامتصاص الصدمات الخارجية والداخلية دون اهتزازات عنيفة.
ومع إغلاق العام عند مستوى 11.8% في ديسمبر، أرسلت مصر رسالة طمأنة للمستثمرين بأن التضخم لم يعد العائق الأكبر أمام النمو، بل بات يتحرك ضمن إطار يسمح بمواصلة مسيرة الإصلاح، وسط توقعات متفائلة من البنك المركزي باستمرار هذا التراجع ليقترب من مستهدفه الطموح عند 7% (± 2 نقطة مئوية) بحلول الربع الأخير من عام 2026.



