مادورو بين الخطف والانقلاب.. رئيس يختفي ليلًا وجيش كامل تحت علامة استفهام
في ساعة متأخرة من الليل، وبينما كانت فنزويلا في صمت ثقيل، انفجرت على الساحة الدولية رواية صادمة قلبت المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية رأسًا على عقب إعلان أمريكي مفاجئ تحدث عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من داخل غرفة نومهما، في عملية عسكرية وُصفت بأنها واحدة من أخطر العمليات الخاصة في تاريخ التدخلات الأمريكية خارج حدودها.
الرواية، التي خرجت من واشنطن مدعومة بتسريبات أمنية وتصريحات رسمية، فتحت أبواب الجدل على مصاريعها: هل جرى بالفعل اختطاف رئيس دولة ذات سيادة؟ أم أن ما يحدث جزء من حرب نفسية وسياسية غير مسبوقة؟ وما مصير فنزويلا في ظل هذا الزلزال السياسي؟
تفاصيل الاقتحام.. رواية أمريكية مثيرة
بحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية عن مصادر وصفتها بـ«الرفيعة»، نفذت وحدة دلتا فورس التابعة للقوات الخاصة الأمريكية عملية مداهمة ليلية دقيقة استهدفت مقر إقامة مادورو العملية، وفق الرواية ذاتها، تمت في توقيت بالغ الحساسية، حيث اقتيد الرئيس الفنزويلي وزوجته من غرفة نومهما دون مقاومة تُذكر، قبل نقلهما جوًا إلى خارج البلاد.
وأكد مسؤول أمريكي أن العملية نُفذت دون سقوط قتلى أو جرحى في صفوف القوات الأمريكية، مشيرًا إلى أن التخطيط لها استغرق أسابيع، وأن تنفيذها تأجل أكثر من مرة بسبب ظروف جوية غير مواتية.
وتحدثت تقارير متطابقة عن مشاركة عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في العملية، في مؤشر على أن الهدف لم يكن عسكريًا فقط، بل قانوني بالدرجة الأولى، تمهيدًا لمحاكمة مادورو أمام القضاء الأمريكي.
نيويورك وجهة النهاية المؤقتة
في واشنطن، لم يكتف المسؤولون بتأكيد عملية الاعتقال، بل انتقلوا سريعًا إلى الكشف عن لائحة اتهامات ثقيلة أُعدت ضد الرئيس الفنزويلي وزارة العدل الأمريكية أعلنت أن مادورو وزوجته يواجهان سلسلة من التهم الجنائية، على رأسها التورط في ما وصفته بـ«إرهاب المخدرات».
وتشمل التهم، وفق البيان الرسمي:
التآمر لتهريب كميات ضخمة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة
استخدام عائدات المخدرات لتمويل أنشطة معادية
حيازة أسلحة رشاشة ومعدات عسكرية محظورة
التآمر لاستخدام أسلحة مدمرة ضد المصالح الأمريكية
وأكدت وزيرة العدل أن المحاكمة ستُعقد أمام محكمة فيدرالية في مانهاتن، معتبرة أن ما جرى «انتصار للعدالة الأمريكية بعد سنوات من الملاحقة».
ترامب يتحدث.. قرار محسوب أم مقامرة خطيرة؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خرج بنفسه ليكشف كواليس القرار، مؤكدًا أن العملية كانت «مثالية من حيث التوقيت والتنفيذ» وقال إن مادورو كان داخل «موقع محصن للغاية»، وإن القوات الأمريكية كانت مستعدة لأسوأ السيناريوهات.
لكن أخطر ما جاء في تصريحات ترامب لم يكن تفاصيل العملية، بل إعلانه الصريح أن واشنطن ستلعب دورًا مباشرًا في تحديد مستقبل القيادة السياسية في فنزويلا، وهو ما فجّر عاصفة انتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها، واعتُبر إقرارًا علنيًا بتدخل سافر في شؤون دولة ذات سيادة.
كراكاس ترد: صمت رسمي وغضب مكتوم
في العاصمة الفنزويلية، ساد صمت ثقيل لم يدم طويلًا. نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز خرجت بتصريحات مقتضبة لكنها حادة، أكدت فيها أن الحكومة لا تملك معلومات مؤكدة عن مكان وجود مادورو وزوجته، مطالبة واشنطن بتقديم دليل فوري على سلامتهما.
ووصفت رودريغيز ما جرى بأنه «انتهاك صارخ للسيادة الوطنية»، متهمة الولايات المتحدة بالسعي للسيطرة على ثروات فنزويلا، وعلى رأسها النفط وفي خطوة تصعيدية، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ ورفعت درجة الاستعداد الأمني في عموم البلاد.
أين الجيش الفنزويلي؟ سؤال اللحظة الحرجة
وسط هذا المشهد المتشابك، برز سؤال محوري: أين الجيش الفنزويلي من كل ما يجري؟
وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز أعلن نشر القوات المسلحة في جميع أنحاء البلاد، مؤكدًا أن الجيش لا يزال يعمل وفق «أوامر الرئيس مادورو»، في رسالة بدت وكأنها محاولة لطمأنة الداخل، وردع الخارج.
ورغم محدودية القدرات العسكرية للفنزويلا مقارنة بالآلة العسكرية الأمريكية، فإن الجيش ظل على مدار سنوات الأزمة صمام الأمان للنظام تسليحه، الذي يعتمد في جزء كبير منه على منظومات سوفياتية قديمة ومقاتلات أمريكية من طراز «إف-16»، لا يؤهله لمواجهة مباشرة مع واشنطن، لكنه يمتلك عنصرًا حاسمًا: التماسك الداخلي والولاء المؤسسي.
انفجارات وغموض أمني في العاصمة
تزامن الإعلان الأمريكي مع تقارير عن سماع دوي انفجارات في كراكاس، وتصاعد أعمدة دخان قرب منشآت عسكرية حساسة، إضافة إلى انقطاع واسع للكهرباء في عدة أحياء مشاهد أعادت إلى الأذهان سيناريوهات الانقلابات والفوضى التي شهدتها دول أخرى.
وفي موازاة ذلك، أعلنت واشنطن تشديد الحصار على ناقلات النفط الفنزويلية، في خطوة تهدد بشل الاقتصاد المنهك أصلًا، وتزيد من معاناة الشعب الذي يرزح تحت أزمات معيشية خانقة.
انقسام داخل واشنطن
المفاجأة لم تكن في كراكاس وحدها، بل داخل الولايات المتحدة نفسها عدد من أعضاء الكونجرس شككوا في قانونية العملية، واعتبروها تجاوزًا للدستور الأمريكي أصوات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء تساءلت عن الأساس القانوني لاستخدام القوة دون تفويض صريح من الكونجرس.
هذا الانقسام عكس حجم الإرباك الذي أحدثته العملية، حتى داخل الدولة التي نفذتها.
فنزويلا.. النفط في قلب العاصفة
يرى مراقبون أن ما جرى لا يمكن فصله عن موقع فنزويلا الاستراتيجي وامتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم. الصراع بين واشنطن وكراكاس ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسنوات من التوتر منذ عهد هوغو تشافيز، تصاعدت خلالها العقوبات، وتبادلت فيها الاتهامات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
سيناريوهات مفتوحة ومصير مجهول
في حال تأكدت الرواية الأمريكية، تقف فنزويلا أمام مرحلة شديدة الخطورة. غياب الرئيس يفتح الباب أمام احتمالات متعددة: هل ينجح الجيش في ضبط الشارع ومنع الانفلات؟