رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

هل تنهي تعديلات قانون الكهرباء عصر سرقة التيار أم تشعل جدل العقوبات؟

سرقة الكهرباء
سرقة الكهرباء

عادت قضية سرقات التيار الكهربائي لتتصدر النقاش العام مع إعلان تعديلات جديدة على قانون الكهرباء، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تحقيق استقرار حقيقي ومستدام في منظومة الطاقة، بعد سنوات من الضغوط المتراكمة على الشبكات، وارتفاع معدلات الاستهلاك، وتنامي ظواهر التعدي غير المشروع على التيار الكهربائي، بما يحمله ذلك من خسائر اقتصادية وفنية واجتماعية جسيمة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، أن التعديلات التشريعية الأخيرة لا تستهدف تحميل المواطنين الملتزمين أعباءً مالية إضافية، بل جاءت لحماية حقوقهم، والحفاظ على المال العام، وضمان عدالة توزيع الكهرباء، باعتبارها مرفقًا حيويًا لا غنى عنه.

فلسفة التعديلات: حماية المواطن الملتزم قبل معاقبة المخالف

يشدد خبراء الطاقة على أن جوهر التعديلات الجديدة يقوم على مبدأ العدالة، حيث أوضح الدكتور أحمد الشناوي أن فلسفة القانون المعدل لا تقوم على الجباية أو التضييق، وإنما تستهدف في المقام الأول حماية المواطن الشريف الذي يلتزم بسداد قيمة استهلاكه بانتظام، ويتحمل  دون ذنب  تبعات سرقات التيار التي يرتكبها آخرون.

وأكد أن استمرار السرقات دون ردع حقيقي كان يعني تحميل الفاقد الناتج عنها على الشبكة ككل، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على جودة الخدمة، واستقرار التغذية، وقد يؤدي في النهاية إلى إجراءات قاسية تمس الجميع، بما فيهم الملتزمون.

سرقات التيار.. خطر صامت يهدد المنظومة الكهربائية

كشف الشناوي أن سرقات التيار الكهربائي لم تعد مجرد مخالفات فردية محدودة، بل تحولت في بعض المناطق إلى ظاهرة واسعة النطاق، تسببت في فقدان ما يتراوح بين 25% و30% من إجمالي الطاقة المنتجة، وهي نسبة خطيرة في أي منظومة كهربائية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، واعتماد محطات التوليد على الوقود والغاز الطبيعي.

وأوضح أن هذا الفقد لا يقتصر على الخسائر المالية فقط، بل يمتد إلى أضرار فنية جسيمة، من بينها الضغط الزائد على الشبكات، وارتفاع معدلات الأعطال، وزيادة احتمالات الانقطاعات المفاجئة، فضلًا عن تهديد سلامة المواطنين نتيجة التوصيلات العشوائية وغير المؤمنة.

علاقة مباشرة بخطة تخفيف الأحمال في صيف 2024

وفي نقطة لافتة، أشار خبير الطاقة الكهربائية إلى أن سرقات التيار كانت أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الدولة إلى تطبيق خطة تخفيف الأحمال خلال صيف 2024، وهو الصيف الذي شهد ذروة استهلاك غير مسبوقة، بالتزامن مع فقدان كميات كبيرة من الطاقة نتيجة التعديات غير القانونية.

وأوضح أن الفاقد الكبير الناتج عن السرقات حرم الشبكة من جزء معتبر من الطاقة التي كان يمكن توجيهها لتلبية احتياجات المواطنين والمنشآت الحيوية، ما اضطر الجهات المعنية إلى اللجوء لحلول استثنائية لتفادي الانهيار الكامل للشبكة.

خسائر متراكمة تعرقل خطط التطوير والتحديث

لم تتوقف آثار سرقات التيار عند حدود التشغيل اليومي، بل امتدت – بحسب الشناوي – إلى تعطيل خطط تطوير قطاع الكهرباء، حيث إن الخسائر الناتجة عنها تستنزف الموارد المالية التي كان من المفترض توجيهها إلى تحديث الشبكات، وتجديد المحولات، وإحلال الكابلات القديمة، وتوسيع قدرات التوزيع في المناطق الأكثر احتياجًا.

وأضاف أن استمرار هذه الخسائر يضعف قدرة الشركات على تنفيذ خطط الصيانة الدورية، ويؤخر مشروعات التوسع، ويؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين، خاصة في المناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة.

تشديد العقوبات.. بين الردع القانوني والبعد الاجتماعي

وأكد الشناوي أن التعديلات الجديدة حرصت على تحقيق توازن دقيق بين الردع القانوني والبعد الاجتماعي، بحيث تكون العقوبات رادعة بحق من يتعمد سرقة التيار، دون المساس بحقوق الفئات البسيطة أو تحميلها ما لا طاقة لها به.

وأوضح أن الإطار التشريعي الجديد يميز بين حالات التعدي العمدي المنظم، وبين المخالفات الناتجة عن الجهل أو الظروف الاستثنائية، مع فتح المجال لتقنين الأوضاع، وتشجيع المخالفين على توفيق أوضاعهم القانونية بدلًا من الاستمرار في التعدي

رسالة القانون الجديدة: لا تهاون مع الإضرار بالمال العام

تعكس تعديلات قانون الكهرباء، بحسب المتخصصين، رسالة واضحة مفادها أن الدولة لن تتهاون مع أي ممارسات تهدر المال العام أو تهدد استقرار مرفق حيوي بحجم الكهرباء، وفي الوقت نفسه تضع حماية المواطن الملتزم في مقدمة أولوياتها.

ويؤكد خبراء الطاقة أن نجاح هذه التعديلات لا يعتمد فقط على نصوص القانون، بل على حسن تطبيقه، وتكامل الأدوار بين الجهات التنفيذية، والتوعية المجتمعية بأهمية الحفاظ على الكهرباء كمورد استراتيجي، لا يقل أهمية عن المياه أو الغذاء.

تم نسخ الرابط