رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

محمد الطماوي يكتب: الأعلى للثقافة.. التفسير الخاطئ للقانون

تفصيلة

ليست المشكلة في نصٍ قانوني غامض يا  د.أحمد هنو، ولا في باحثٍ يطلب استثناء، بل في تفسيرٍ خاطئ ألبس ثوب القانون، فحول الحق إلى مخالفة، والالتزام إلى اتهام، هذه ليست حكاية جائزة ضاعت، بل قصة فرصة أُهدرت ظلمًا، حين أُغلق الباب أمام عمل علمي مكتمل، لا لعيب فيه، بل لاجتهاد إداري أخطأ فهم النص وأصر على فرضه كحقيقة قانونية، وما بين نص واضح وممارسة ملتبسة، ضاع حق، وتحول صاحبه – زورًا – من متمسك بالقانون إلى متهم بمخالفته، في واقعة تستوجب التوقف والمساءلة قبل أن تتكرر مع غيره.

تبدأ قصتي في 29/12/2025، بعد جهدٍ بحثي استغرق أكثر من عامٍ ونصف، أنفقت فيه وقتي ومالي وطاقتي في إعداد عمل علمي أصيل يتناول تقنية جديدة وربطها بالاقتصاد والقانون والحوكمة، فوجئت بأن المجلس الأعلى للثقافة قد أعلن – ضمن خطته – عن نفس الموضوع كأحد المجالات المطلوبة للتقدم لجائزة الدولة التشجيعية، وهو ما لم أعلمه رسميا، بل وصلني مصادفة عبر منشور على موقع فيسبوك من الصفحة الشخصية للمسؤول عن الإدارة المركزية.
تحركت فورًا، وتواصلت مساء اليوم ذاته مع الأمين العام للمجلس، وأبلغته أن لدي عملًا مكتملًا وجاهزًا للنشر والطباعة، ولكنه قيد الطبع، ومعي افادة بقبوله من دار النشر الموثقة والمعترف بها لدي الدولة، وطلبت السماح لي بالتقدم بنسخة رقمية مؤقتة لحين الانتهاء من الطباعة، كما جرى في السنوات السابقة، طلب مني التواصل صباحا، وبالفعل حاولت، إلا أنني فوجئت بعدم الرد لانشغاله باجتماع المجلس الأعلى.

في الأثناء، تواصل معي أحد الموظفين من مكتبة وأبلغني بأن التقدم غير جائز لأن العمل غير مطبوع، وأنه لا بد أن يكون مطبوعا، أوضحت له أنني سأتوجه في صباح اليوم التالي لاستخراج طباعة النسخ المطلوبة على نفقتي الخاصة، وهو ما أكده لي جميع مقرر اللجان بالمجلس، فضلًا عن أن الأعمال البحثية تقبل – بنص الواقع العملي – بإفادة قبول النشر، وهو ما كنت مستعدًا لتقديمه، لا سيما وأن معي تعاقدًا رسميًا على طباعة الكتاب وطرحه في معرض الكتاب، ورغم ذلك، أصر الموظف على أن العمل غير منشور، ثم عاد ليقول :«لو لحقت تجيب رقم الإيداع تقدر تقدم، ثم انصرف الأمين العام ولم يعد.
وفي ذات التوقيت، تواصلت مع موظف آخر – معرفة شخصية – فأفادني على خلاف ذلك تمامًا، بأن العمل لا يجوز التقدم به مطلقًا لأن رقم الإيداع لا بد أن يكون سابقًا على تاريخ الإعلان، سألته: أي قانون يقول ذلك؟ فأجاب: « هذا قانون».

طلبت منه نص القانون فلم يقدم شيئًا، أكدت له أن حقي في التقدم قائم طالما استوفيت شروط الإيداع خلال سنة الإعلان، وقدمت النسخ المطلوبة، إلا أنه أنهى النقاش وغادر، بعدما احتد الحوار بسبب إصراره على تفسير قانوني لا سند له، ومعرفتي الدقيقة بخفايا وآليات العمل داخل أروقة المجلس، التي أتحفظ عن ذكرها.

في تلك اللحظة، أوضحت بجلاء أنني جاهز فورًا لاستخراج رقم الإيداع وتسليم النسخ للمجلس، وأن طلبي الوحيد هو تمكيني من حقي الأصيل في التقدم، وترك الأمر للجنة المختصة لتقييم العمل، لكن دون أي استجابة تذكر.

في فجر اليوم التالي، تواصلت مع رئيس الإدارة المركزية، وكان متعاونًا وسريع الرد، إلا أنه أكد بدوره أن العمل لا يجوز قبوله لأنه  سابق الإعلان وغير منشور، أوضحت له أنني سأتقدم صباحًا برقم الإيداع، وأن ذلك يجيز التقدم قانونا، فأكد لي مجددًا عدم الجواز، بحجة أن هذا هو القانون، دون تحديد نص قانوني واضح، وانتهى الاتصال دون حسم.

صباح ذلك اليوم، كنت على طباعة النسخ على نفقتي الخاصة، وفي هذا التوقيت، تواصلت مع معالي الدكتور الوزير أحمد هنو، وزير الثقافة، الذي أشكره على سرعة استجابته، سواء لمقالي المطالب بإنشاء منصة رقمية لرفع الأعمال، أو لعرضي مشكلتي كاملة، إلا أنني فوجئت برد مفاده أن عليّ التقدم بالعمل في العام القادم لأنه غير منشور، وأرفق مع رده نص القانون.

وعند عرض هذا النص على عدد من كبار الخبراء القانونيين والتشريعيين، كانت المفاجأة: أن حقي في التقدم كان قائمًا وثابتًا، إذ يتضح من نص المادة (11/2) أن المشرع اتخذ من تاريخ الإعلان مجرد نقطة مرجعية لاحتساب المدة القصوى (ثلاث سنوات) التي يجب ألا يكون قد مضى على أول نشر أو عرض أو تنفيذ العمل أكثر منها، دون أن يتضمن النص أي تحديد لبداية أو نهاية ميعاد التقدم للجائزة.

وبالتالي، فإن التقدم بعد تاريخ الإعلان لا يشكل مخالفة لنص القانون، ولا يعد خطأ في تطبيقه، طالما استوفى العمل باقي الشروط القانونية، وعلى رأسها شرط المدة حتى تاريخ الإعلان، أما تحديد مواعيد التقديم، فلا يكون إلا بقرار إداري أو إعلان مستقل، لا بنص تشريعي.

كما أن حصول العمل على رقم الإيداع يُعد قرينة رسمية على تاريخ أول نشر، يعتد بها قانونًا في تطبيق الشرط الزمني، وبما أن القانون اشترط ألا يكون قد مضى على أول نشر أكثر من ثلاث سنوات حتى تاريخ الإعلان، فإن العمل الحاصل على رقم إيداع بتاريخ 31/12/2025 يكون مستوفيًا لهذا الشرط متى كان التاريخ واقعًا في سنة الإعلان أو خلال السنوات الثلاث السابقة عليها، دون أي اعتبار لتاريخ التقدم ذاته، لعدم وجود نص يقيد ذلك.

وإذ كان إعلان الجائزة قد حدد فترة التقديم من 1/10 حتى 31/12، وكان الثابت أن العمل قد حصل على رقم الإيداع بتاريخ 31/12/2025، أي داخل فترة الإعلان، فإن شرط سبق النشر يكون متحققًا قانونًا، ولا يغير من ذلك أن يتم التقديم في ذات اليوم أو بعده، طالما لم يرد نص صريح يقيد ميعاد الترشح بموعد سابق على انتهاء الإعلان.

وعليه، فإن ما حدث لم يكن تطبيقًا للقانون، بل تفسيرًا خاطئًا له، نُقل للوزير على غير حقيقته، وأهدِر بسببه حق قانوني ثابت.
  أكتب إلى معاليكم ليس طلبا لمجاملة، ولا سعيا لاستثناء، وإنما دفاعا عن حق قانوني ثابت جرى إهداره نتيجة تفسير خاطئ للنصوص التشريعية، نُقل إلى معاليكم على غير حقيقته، إن ما تعرضت له لا يمكن توصيفه إلا باعتباره إخلالًا جسيمًا بمبدأ سيادة القانون، وتحميل النصوص ما لا تحتمل، بما أدى إلى منعي من مجرد ممارسة حقي في التقدم بعملي العلمي للجنة المختصة لتقييمه.

إن القانون – بنصه الصريح – لم يضع أي قيد زمني على ميعاد التقدم للجائزة، وإنما قصر القيد على المدة السابقة على تاريخ الإعلان، بحيث لا يكون قد مضى على أول نشر أو عرض أو تنفيذ العمل أكثر من ثلاث سنوات حتى تاريخ الإعلان، وعليه، فإن ما جرى من رفض بدعوى أن رقم الإيداع لم يكن سابقا على الإعلان، لا يستند إلى نص تشريعي، وإنما إلى اجتهاد إداري لا يجوز أن يعلو على حكم القانون أو يقيده.

ومعاليكم تعلمون أن رقم الإيداع يعد قرينة رسمية على تاريخ أول نشر، ويعتد به قانونًا في تحديد أهلية العمل، وأن العمل الحاصل على رقم إيداع داخل فترة الإعلان يكون مستوفيًا للشرط الزمني المنصوص عليه، دون أي اعتبار لتاريخ تقديم الأوراق ذاته، لغياب نص قانوني يقيد ذلك، ومن ثم، فإن حرماني من التقدم لم يكن تطبيقا للقانون، بل مخالفة صريحة لمقصده.

الأخطر من ذلك، معالي الوزير، أن هذا التفسير الخاطئ لم يُعرض على معاليكم باعتباره اجتهادًا إداريًا قابلًا للنقاش، بل قُدم وكأنه حكم قانوني قاطع، وهو ما حال دون إتاحة الفرصة لي – أو لغيري – لعرض الأمر على اللجنة المختصة، الجهة الوحيدة المنوط بها التقييم العلمي، لا الحسم الإداري المسبق.
  لقد تعرضتُ لظلمٍ بيّن لا لبس فيه، إذ جرى تصوير موقفي زورًا على أنني أطالب باستثناء أو خرق للقانون، بينما الحقيقة الثابتة أنني كنت – ولا أزال – أتمسك بتطبيق القانون تطبيقًا صحيحًا، لا التحايل عليه. فليس في طلبي أي مصلحة استثنائية، ولا فائدة تعود عليّ من “استثناء” مزعوم، لأن القبول أو الرفض في جميع الأحوال هو من اختصاص اللجنة العلمية وحدها، التي قد تقبل العمل أو ترفضه وفق معاييرها الموضوعية، أما ما جرى، فهو حرماني من مجرد فرصة التقدم، وإهدار حقي في عرض عملي على الجهة المختصة، ووصمي بغير حق بأنني ضد القانون، وهي كذبة أُريد بها باطل، ترتب عليها ضياع فرصة قانونية كاملة، لا يمكن تعويضها، وإلحاق ضرر أدبي ومهني جسيم بي دون أي سند تشريعي أو مسوغ قانوني.

من يأتي بحقي يا معالي الوزير، وقد ضاعت فرصتي ظلمًا بسبب تفسير خاطئ للقانون، وصُوِّر تمسكي بتطبيقه على أنه طلب استثناء؟ إنني لم أُحرم من جائزة، بل حُرمت من حقي الأصيل في المحاولة، وفي أن يُعرض عملي على اللجنة المختصة، وهو حق لا يعوضه الزمن ولا يجبر كسره الصمت..

تم نسخ الرابط