التضخم وتحديات التحصيل.. أزمات تلاحق سهم «حالا» في البورصة
أبو الفتوح:
تراجع سعر سهم حالا بعد الإدراج في البورصة المصرية في حاجة لإعادة دراسة
حنان رمسيس:
تراجع القوة الشرائية وزيادة التضخم تحاصر أسهم حالا
تغادر أسهم التمويل الاستهلاكي منطقة الأمان لتدخل دائرة الضوء والمواجهة، فمع هبوط سهم «حالا» دون سعر الاكتتاب، تكشّفت أبعاد أزمة أعمق تتجاوز حدود شاشات التداول لتطال قدرة عملاء القطاع على السداد وسط موجات تضخمية متتالية، بين ارتفاع أعباء الاقتراض وتصاعد مخاطر التعثر، يطرح خبراء الاقتصاد والاقتصاد المالي تساؤلات حاسمة: هل يعكس هبوط السهم خسائر سوقية مؤقتة أم أنه جرس إنذار يتطلب إعادة هيكلة شاملة لنمط النمو الائتماني؟.
في السياق أكد الدكتور أحمد سمير أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن التراجعات الحادة التي شهدتها البورصة المصرية لم تعد مجرد حركة تصحيحية عابرة، بل أصبحت مؤشرًا يستدعي تحليل الضغوط التي تواجه الشركات، في ظل ارتفاع حساسية المستثمرين تجاه المخاطر وتزايد أهمية السيولة وتكلفة التمويل في تحديد القيمة الحقيقية للاستثمارات.
وأوضح أبو الفتوح في تصريح خاص لموقع "تفصيلة" أن انخفاض أسعار الأسهم وتراجع القيمة السوقية للشركات يعكسان إعادة تقييم المستثمرين لتوقعات الأرباح والمخاطر المستقبلية، مشيرًا إلى أن التحدي الأكبر يظهر عندما تمتد هذه الضغوط إلى قدرة الشركات على تمويل أنشطتها والوفاء بالتزاماتها، خصوصًا الكيانات التي تعتمد على الاقتراض والتوسع الائتماني.
حالا تكشف تحديات التمويل الاستهلاكي
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن شركة «إم إن تي–حالا» تمثل إحدى الحالات التي تستحق الدراسة في ضوء تراجع سعر سهمها بعد الإدراج في البورصة المصرية، مؤكدًا أهمية التمييز بين خسائر المستثمرين الناتجة عن انخفاض سعر السهم والخسائر المحاسبية الفعلية للشركة، حيث لا يعبر المؤشران بالضرورة عن الأمر نفسه.
وأضاف أن طبيعة نشاط التمويل الاستهلاكي تفرض تحديات تتعلق بتكلفة الاقتراض والتشغيل ومخاطر تعثر العملاء، إذ تعتمد هذه الشركات على تقديم التمويلات واستردادها عبر أقساط مستقبلية، وهو ما يجعل قدرة العملاء على السداد عاملًا أساسيًا في استدامة الأرباح، خاصة في ظل الضغوط التضخمية وتراجع القوة الشرائية.
ولفت إلى أن ارتفاع حجم التمويلات وزيادة أعداد العملاء لا يعنيان بالضرورة تحسن الأداء المالي، فقد يتزامن نمو المحفظة الائتمانية مع ارتفاع مخاطر التعثر وتكاليف التحصيل، بما يضغط على هوامش الربح والسيولة.
وشدد على أهمية تقييم أداء الشركات العاملة في هذا القطاع بناءً على جودة المحافظ التمويلية ومعدلات التحصيل والتعثر والمخصصات وتكلفة الأموال، إلى جانب قدرتها على توليد تدفقات نقدية مستدامة.
ارتفاع تكلفة التمويل يضع الشركات أمام اختبارات صعبة
وأوضح أبو الفتوح أن تراجعات البورصة تعيد طرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الشركات على تحقيق نمو حقيقي ومستدام، أو اعتماد توسعاتها بدرجة كبيرة على استمرار توافر التمويل بشروط مناسبة.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع السيولة يضعان الشركات الأكثر اعتمادًا على التمويل الخارجي أمام ضغوط مزدوجة، تتمثل في زيادة أعباء التمويل واحتمال تراجع الأرباح المتوقعة، بينما تزداد حساسية شركات التمويل الاستهلاكي لأي تراجع في قدرة العملاء على السداد، لما لذلك من تأثير مباشر على جودة الأصول والتدفقات النقدية.
وأكد أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة دخول القطاع في أزمة شاملة، لكنها تفرض ضرورة مراجعة نماذج النمو التي تعتمد على التوسع الائتماني السريع دون إدارة صارمة للمخاطر.
التعافي يتطلب استعادة الثقة وجودة الأرباح
وأكد الخبير الاقتصادي أن التعافي الحقيقي للبورصة المصرية لا يتوقف على ارتداد أسعار الأسهم وحده، بل يرتبط باستقرار البيئة الاقتصادية وتحسن توقعات التضخم وأسعار الفائدة، إلى جانب تعزيز الثقة في القوائم المالية للشركات ووضوح قدرتها على تحقيق أرباح فعلية.
وشدد على ضرورة التمييز بين الشركات التي تتراجع أسهمها نتيجة تقلبات السوق، وتلك التي تواجه تحديات هيكلية تتعلق بالسيولة أو الربحية أو جودة الأصول، موضحًا أن تقييم شركة «إم إن تي–حالا» يتطلب متابعة الإفصاحات الرسمية ونتائج الأعمال، وعدم الخلط بين خسائر حائزي الأسهم والمركز المالي للشركة.
وأكد أن التمويل الاستهلاكي يمكن أن يدعم النمو الاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى مصدر للضغوط إذا تجاوز التوسع الائتماني قدرة الشركات والعملاء على السداد، حيث تظل القيمة الحقيقية لأي شركة مرتبطة بقدرتها على تحويل نمو أعمالها إلى أرباح مستدامة وتدفقات نقدية فعلية.
سهم حالا تحت الحصار
من جهتها أكدت حنان رمسيس خبيرة أسواق المال، أن سهم شركة «حالا» للتمويل الاستهلاكي يواجه ضغوطًا بيعية في الوقت الحالي، في ظل التحديات التي يشهدها قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للعملاء، إلى جانب الضغوط التي تتعرض لها البورصة المصرية نتيجة التطورات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأوضحت رمسيس في تصريح خاص لموقع "تفصيلة" أن شركة «حالا» تأتي ضمن شركات التمويل الاستهلاكي التي تتأثر بالتحديات المرتبطة بقدرة العملاء على السداد وتحصيل المستحقات، مشيرة إلى أن هذه الضغوط لا تقتصر على شركة بعينها، وإنما تمتد إلى القطاع ككل، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وأشارت رمسيس إلى أن تحذير الخبراء من مشكلات التحصيل ووجود أكثر من 25 ألف قضية مرتبطة بالتعثر المالي تسلط الضوء على التحديات التي تواجه شركات التمويل الاستهلاكي، حيث يمكن أن تتحول بعض الديون المتعثرة إلى ديون مشكوك في تحصيلها، ثم إلى ديون معدومة، وهو ما ينعكس على المراكز المالية للشركات.
ولفتت إلى أن ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار، بالتزامن مع عدم كفاية دخول المواطنين لتغطية احتياجاتهم الأساسية، دفعا بعض المستهلكين إلى الاعتماد على التمويل الاستهلاكي لتوفير احتياجاتهم، سواء من السلع الأساسية أو الكمالية، وهو ما يفرض على الشركات ضرورة إدارة مخاطر الائتمان ومتابعة قدرة العملاء على السداد.
ولفتت إلى أن هيئة الرقابة المالية منعت تمويل شراء الذهب بغرض الاستثمار من خلال شركات التمويل الاستهلاكي خلال الفترة الحالية، في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها أسعار المعدن الأصفر، وعدم استقرار تحركاته، رغم احتفاظ الذهب بمكانته في السوق المصرية.
مبيعات المؤسسات تضغط على سهم «حالا»
وأوضحت خبيرة أسواق المال أن سهم «حالا» تأثر بالتراجعات التي شهدتها البورصة المصرية، على خلفية التوترات الإقليمية واستمرار مبيعات المستثمرين الأجانب، وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، والخروج من أدوات الدين، فضلًا عن عدم وضوح الرؤية الاقتصادية وتصاعد المخاوف الجيوسياسية.
وأضافت أن وجود طلب من المستثمرين الأفراد على السهم لم يكن كافيًا لمواجهة الضغوط البيعية من جانب المؤسسات، وهو ما دفع السهم إلى الهبوط دون سعر الاكتتاب خلال جلسة الأحد الماضي، قبل أن تبدأ البورصة في استعادة جزء من عافيتها خلال جلستي الاثنين والثلاثاء.
وأشارت إلى أن وجود صندوق لاستقرار سعر السهم لمدة شهر يمثل إحدى الآليات التي يمكن أن تدعم استقراره وفقًا للشروط المنظمة لها، كما لفتت إلى إعلان زيادة رأس المال بالقيمة الاسمية البالغة 10 جنيهات للسهم، من خلال اكتتاب مخصص للمساهمين الحاليين وليس طرحًا عامًا.
عوامل تدعم فرص تعافي «حالا»
وأكدت حنان رمسيس أن زيادة رأس المال ترفع عدد الأسهم المتداولة، وقد تؤثر على طبيعة التحركات السعرية للسهم، إلا أن ضعف السيولة وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة قد يضغطان على تقييماته الفنية والمالية.
وأوضحت أن تحسن أداء «حالا» وشركات التمويل الاستهلاكي الأخرى يرتبط بقدرتها على تحقيق نتائج أعمال قوية، وزيادة الأرباح، والتوسع في قاعدة العملاء، وفتح أسواق جديدة خارج مصر، إلى جانب إمكانية الاستفادة من الانضمام إلى مؤشرات الأسواق الناشئة حال توافر الشروط اللازمة.

