جمال عبد الرحيم: المصداقية أهم من السبق الصحفي والذكاء الاصطناعي لا يعوض الضمير المهني
أكد جمال عبد الرحيم، رئيس تحرير جريدة الجمهورية الأسبق وسكرتير عام نقابة الصحفيين المصريين، أن معركة الوعي أصبحت لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، في ظل التدفق المتسارع للمعلومات والتطور المتلاحق لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وما يفرضه ذلك من تحديات تتعلق بمصداقية المحتوى الرقمي وقدرة الجمهور على التمييز بين المعلومات الموثوقة والأخبار المضللة.
وأوضح عبد الرحيم أن الكلمة أصبحت قادرة على بناء العقول أو تضليلها، وأن المعلومة قد تكون أداة للتنوير ونشر المعرفة، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لنشر الشائعات وزعزعة الثقة، وهو ما يضع الإعلام والإعلاميين أمام مسؤولية مهنية ومجتمعية تتجاوز مجرد نقل الأخبار إلى التحقق من صحتها، وتقديمها في سياقها الصحيح، والتمييز بين الحقيقة والرأي، ومواجهة التضليل دون المساس بحرية التعبير.
وشدد على أن المصداقية يجب أن تسبق السبق الصحفي، وأن الحقيقة أولى من السعي وراء المشاهدات والتفاعلات، مؤكدًا أن ثقة الجمهور تمثل رأس المال الحقيقي للمهنة، وأن الحفاظ عليها يتطلب الالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي واحترام حق المواطنين في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة
وأشار إلى أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أوجد تحديات جديدة، في ظل سهولة إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية المفبركة، الأمر الذي يستدعي التعامل مع هذه التقنيات بوعي ومسؤولية، والاستفادة من إمكاناتها دون التخلي عن التحقق البشري والضمير المهني، إلى جانب تعزيز قدرة الجمهور على فحص المصادر ومقارنة المعلومات قبل تصديقها أو إعادة نشرها.
ومن واقع خبرته في العمل الصحفي والإعلامي، أكد عبد الرحيم أن تحويل الدراية الإعلامية والمعلوماتية من مفهوم معرفي إلى ممارسة يومية يتطلب دعم التدريب المستمر للصحفيين والإعلاميين، ونشر ثقافة التحقق من المعلومات، وتشجيع المؤسسات الإعلامية على الالتزام بالشفافية وتصحيح الأخطاء، وتعزيز التعاون بين وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يسهم في ترسيخ التفكير النقدي وتحويله إلى سلوك يومي في التعامل مع المحتوى الرقمي.
وأضاف أن مواجهة التضليل مسؤولية مشتركة تبدأ من الصحفي والإعلامي الذي يتحرى الدقة قبل النشر، ولا تنتهي عند المواطن الذي يتحمل مسؤولية التحقق من المعلومات قبل تداولها. فالمجتمع الواعي لا يُبنى بمنع الأسئلة أو تقييد التفكير، وإنما بتمكين أفراده من الوصول إلى الحقيقة، ومناقشتها بحرية، والتعامل معها بمسؤولية.
ووجّه عبد الرحيم رسالة إلى الأجيال القادمة، دعاهم فيها إلى عدم اعتبار سرعة انتشار المعلومة دليلًا على صحتها، أو اتخاذ عدد المتابعين معيارًا للمصداقية، مشددًا على ضرورة التساؤل دائمًا عن المصدر والدليل، والاستعداد لمراجعة الآراء في ضوء الحقائق، مؤكدًا أن التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها لا يمكن أن تحل محل الضمير الإنساني والمسؤولية الأخلاقية.
كما وجّه رسالة إلى زملائه الصحفيين والإعلاميين، دعاهم فيها إلى الحفاظ على شرف المهنة، ووضع الحقيقة فوق كل اعتبار، وإدراك أن حماية الوعي تبدأ من احترام عقول المواطنين وحقهم في المعرفة، وأن كل كلمة تُنشر تحمل مسؤولية وأثرًا قد يمتد إلى المجتمع بأكمله.
واختتم عبد الرحيم رسالته بالتأكيد على أن شعار «لكلٍّ منا دور.. فما هو دورك؟» ليس مجرد عبارة توعوية، بل دعوة إلى ممارسة المسؤولية يوميًا، من خلال التحقق قبل النشر، والتفكير قبل التصديق، والوعي قبل المشاركة، معتبرًا أن حماية العقول تمثل أساس بناء مجتمع أكثر استنارة، وصناعة مستقبل أكثر حرية وعدلًا ومسؤولية.
وتأتي الحملة التي أطلقتها المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي والاتحاد العربي للاعلام والثقافة برئاسة الدكتورة حنان يوسف في إطار تعزيز الوعي بأهمية الدراية الإعلامية والمعلوماتية، وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للمعلومات والتقنيات الرقمية، والتأكيد على أن حماية الوعي في العصر الرقمي مسؤولية تتكامل فيها أدوار الإعلاميين والمؤسسات والمواطنين.


