حرب العقول أخطر من السلاح.. الأزهر يفتح ملف اختراق وعي الشباب وتهديد الهوية الوطنية
في ظل تصاعد التحديات الفكرية والمعلوماتية، وتزايد تدفق المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتجدد التساؤلات حول قدرة الشباب على التمييز بين المعلومات الصحيحة والأفكار المضللة، ومدى تأثير ذلك على الهوية الدينية والوطنية وتماسك المجتمع.
وفي السياق ذاته، فتح مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ملف الوعي باعتباره أحد أهم أدوات حماية العقول وصيانة الهوية، مؤكدًا أن معارك العصر لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى ساحات الفكر والمعلومات والتأثير في المعتقدات والسلوك.
وجاء ذلك خلال ندوة نظمها مجمع البحوث الإسلامية بجامعة السويس، اليوم الاثنين، تحت عنوان «الهوية الدينية والوطنية وسبل حمايتها»، ضمن فعاليات الأسبوع الدعوي الخامس والعشرين، الذي تنظمه اللجنة العليا لشؤون الدعوة بالمجمع تحت شعار «الشباب بين حراسة العقول وحماية الثغور»، بالتزامن مع احتفالات محافظة السويس بعيدها القومي.
وتقام فعاليات الأسبوع برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، والدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف، لمناقشة القضايا المرتبطة بوعي الشباب ومسؤوليتهم تجاه المجتمع والوطن.
أكد الدكتور محمود الهواري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، خلال الندوة التي استضافها المعهد الفني للتمريض بحضور الدكتورة مي إبراهيم السيد، مديرة المعهد، أن الوعي يمثل قضية محورية في حياة الإنسان، وأن فهم أبعاده ووسائله أصبح ضرورة لمواجهة التحديات المتغيرة التي تشهدها المجتمعات.
وأوضح أن طبيعة الصراعات بين البشر شهدت تحولات كبيرة عبر التاريخ، تطورت معها أدوات المواجهة، فلم تعد الحروب مقتصرة على استخدام القوة العسكرية، بل امتدت إلى حروب تكنولوجية ومعلوماتية تستهدف التأثير في العقول والمعتقدات والدوافع التي تحكم سلوك الأفراد.
وأشار إلى أن هذه التحولات تجعل بناء الوعي ضرورة لحماية الإنسان والمجتمع، إذ لم يعد الخطر مرتبطًا فقط بالمواجهات المباشرة، وإنما أصبح من الممكن التأثير في اتجاهات الأفراد ومواقفهم من خلال المعلومات المغلوطة وتزييف الحقائق واستغلال المنصات الرقمية.
وشدد الهواري على أن الوعي السليم يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه التحديات، لأنه يساعد الإنسان على فهم الواقع، وتقدير المواقف، والتمييز بين الحقائق والشائعات، واتخاذ القرارات القائمة على المعرفة والتفكير السليم.
واستشهد بقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، موضحًا أن هذه النعم تستوجب حسن استخدامها في طلب العلم والتفكر والتدبر، وعدم الاستسلام للأفكار دون فحص أو تمحيص.
حذر الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني من خطورة غياب الوعي، مؤكدًا أن بعض محاولات التأثير في المجتمعات تقوم على تضليل العقول وتزييف الحقائق، بهدف التأثير في قناعات الأفراد والنيل من مقدرات الأوطان دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.
وأوضح أن خطورة هذه المحاولات تكمن في إمكانية دفع بعض الأفراد إلى تبني أفكار أو مواقف تضر بمجتمعاتهم دون إدراك لحقيقتها أو لنتائجها، وهو ما يجعل تنمية القدرة على التفكير والتحليل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
وتزداد أهمية هذه القضية في ظل الانتشار الواسع للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتداخل الأخبار الصحيحة مع الشائعات والآراء غير المتخصصة، الأمر الذي يفرض على الشباب ضرورة التحقق من مصادر المعلومات، وعدم التعامل مع كل ما يُنشر باعتباره حقيقة مؤكدة.
وأكد الهواري أن حماية المجتمع تبدأ من بناء إنسان قادر على التفكير الواعي، وفهم ما يدور حوله، ومراجعة المعلومات قبل تبنيها أو نشرها، مشيرًا إلى أن المواجهة الفكرية لا تتحقق بمجرد التحذير من الأفكار الخاطئة، وإنما تحتاج إلى المعرفة والحوار والحجة العلمية.
وشدد الهواري على أن حماية الهوية الدينية والوطنية تبدأ بفهم مكوناتهما وترسيخها في نفوس الشباب، موضحًا أن الهوية الدينية بما تتضمنه من قيم ومعتقدات ومبادئ أخلاقية تسهم في توجيه السلوك وضبط التصرفات، وتنعكس آثارها على الهوية الوطنية وتعزز الانتماء والمسؤولية تجاه الوطن.
وأشار إلى أن الانتماء الحقيقي لا يقوم على الشعارات وحدها، بل يظهر في سلوك الإنسان، واحترامه للآخرين، وتحمله المسؤولية، وحرصه على العمل النافع والمشاركة في نهضة المجتمع وتقدمه.
وأكد أن الوعي الصحيح يساعد الشباب على إدراك العلاقة بين الالتزام بالقيم الدينية والقيام بالواجبات الوطنية، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويحد من محاولات استغلال الخلافات الفكرية لإحداث الانقسام داخل المجتمع.
وفي هذا الإطار، أوضح أن بناء الهوية يحتاج إلى جهود متكاملة تشمل الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، حتى يمتلك الشباب القدرة على فهم قيمهم، والتعامل مع التحديات الفكرية بصورة متوازنة، بعيدًا عن الانغلاق أو الانسياق وراء الأفكار غير المدروسة.
وتناول الدكتور محمود الهواري عددًا من المقومات الأساسية للهوية الإسلامية، موضحًا أنها تقوم على منظومة مترابطة تجمع بين الإيمان بالله تعالى، والعبادة، والأخلاق، وإعمال العقل والتفكير.
وبيّن أن المقوم الأول يتمثل في الإيمان بالله تعالى، والإيمان بحكمته وتدبيره للكون وفق سنن وقوانين ثابتة، مشيرًا إلى أهمية ترسيخ الفهم الصحيح للعقيدة، ومواجهة محاولات التشكيك التي تستهدف زعزعة إيمان الشباب أو إرباك تصوراتهم الدينية.
أما المقوم الثاني، فيتمثل في عبادة الله تعالى وفق ما شرعه، مؤكدًا أن العبادة لا تقتصر على أداء الشعائر الدينية، وإنما تمتد إلى حسن الخلق في التعامل مع الآخرين، والرحمة بمخلوقات الله، والالتزام بالقيم التي تنظم علاقة الإنسان بمن حوله.
واستشهد في هذا السياق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقوله تعالى في وصف نبيه الكريم: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»، موضحًا أن الأخلاق تمثل جانبًا أساسيًا من حقيقة التدين، وأن أثرها يجب أن يظهر في سلوك الإنسان ومواقفه اليومية
اقرأ أيضاً..
الزواج والعقارات والإنترنت في مرمى التغيير.. قوانين جديدة على طاولة البرلمان تفتح أبواب الجدل

