بين فخ التضخم وتخارج 2.1 مليار دولار.. «المركزي» أمام أصعب معادلة لحسم الفائدة الخميس
تتجه أنظار الأوساط الاقتصادية والمصرفية ومجتمع الأعمال في مصر صوب المقر الرئيسي للبنك المركزي المصري، ترقباً لانعقاد الاجتماع السابع للجنة السياسة النقدية خلال عام 2026، والمقرر له يوم الخميس المقبل؛ في توقيت بالغة الدقة تتشابك فيه محفزات التهدئة النقدية مع ضغوط تمويلية وجيوسياسية عنيفة تجعل صياغة القرار أكثر تعقيداً.
وتتحرك لجنة السياسة النقدية داخل مساحة مناورة ضيقة؛ ففي حين تدعم مؤشرات تباطؤ معدل التضخم السنوي للمدن إلى 13.9% خلال سبتمبر وبقاء العائد الحقيقي في المنطقة الموجبة سيناريو الإبقاء على الفائدة دون تغيير، تبرز في المقابل رياح معاكسة تدفع باتجاه التشديد النقدي، تتصدرها مبيعات الأجانب بأدوات الدين التي بلغت 2.1 مليار دولار في أسبوع واحد، وتخطي الدولار لمستويات قياسية جديدة، واشتعال أسعار الطاقة العالمية.
شاشات التسعير الراهنة: مستويات العائد الأساسية المعتمدة
تستقر أسعار الفائدة المرجعية لدى البنك المركزي المصري منذ قرار التثبيت الأخير في اجتماعه السادس خلال سبتمبر الماضي عند المستويات التالية:
سعر عائد الإيداع لليلة واحدة (Corridor Deposit): مستقر عند 19.00%.
سعر عائد الإقراض لليلة واحدة (Corridor Lending): مسجل عند 20.00%.
سعر العملية الرئيسية للبنك المركزي: يبلغ 19.50%.
سعر الائتمان والخصم (Discount Rate): محدد عند 19.50%.
معسكر التثبيت والتريث: العائد الحقيقي الإيجابي يكبح التشديد
تميل الأغلبية الكاسحة من المحللين وبيوت الخبرة، ومنها «موزايك إيكونوميكس» و«أسطول القابضة» و«إتش سي»، إلى ترجيح سيناريو تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير، مستندين إلى حزمة من المحددات الفنية:
اتساع هامش الفائدة الحقيقية: يوفر انخفاض التضخم السنوي في المدن إلى 13.9% في سبتمبر (مقارنة بـ 14.5% في أغسطس) عائداً حقيقياً إيجابياً مريحاً يتجاوز 5% لحائزي الودائع، ما يمنح صانع القرار النقدي غطاءً كافياً للتريث دون الحاجة لزيادة أعباء الائتمان على الشركات والموازنة العامة.
تأجيل التيسير وتفادي الصدمات التمويلية: يرى الخبراء أن صعود العملة الأمريكية إلى مستويات تجاوزت 55 و56 جنيهاً (بمكاسب تقارب 16% منذ بداية العام مقارنة بـ 47.65 جنيه في يناير)، إلى جانب تقلبات النفط والتوترات الإقليمية، يجهض فرص التيسير النقدي الفوري؛ ما يجعل الإبقاء على الفائدة الحالية الخيار الأكثر توازناً، مع ترحيل خفض الفائدة بنحو 100 نقطة أساس إلى اجتماع ديسمبر الختامي أو مطلع عام 2027 بشرط تراجع خام النفط نحو 90 دولاراً واستقرار سوق الصرف.
سيناريو الرفع الاستثنائي (1%): حماية أذون الخزانة ومجابهة الفيدرالي
في المقابل، يتبنى فريق آخر من الاقتصاديين، وفي مقدمتهم الخبير الاقتصادي مدحت نافع، وجهة نظر بديلة ترجح رفع أسعار الفائدة بنسبة 1% (100 نقطة أساس)، مدفوعة بضرورات الدفاع عن الاستقرار النقدي ومكافحة استنزاف العملة الصعبة:
وقف نزيف المحافظ الأجنبية: يمثل تسجيل صافي مبيعات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية بالسوق الثانوية نحو 2.1 مليار دولار خلال أسبوع واحد جرس إنذار حرج، ما قد يستدعي تدخلاً نقدياً برفع العائد لاستعادة تنافسية أذون الخزانة ومنع تسارع خروج الأموال الساخنة.
مواكبة تشديد الفيدرالي الأمريكي والتحوط للتضخم المستورد: تفرض احتمالات لجوء الفيدرالي الأمريكي لرفع الفائدة مجدداً ضغوطاً متصاعدة على عملات الأسواق الناشئة، الأمر الذي قد يدفع «المركزي» لرفع الفائدة دفاعياً لامتصاص الآثار التضخمية الناتجة عن صعود تكاليف الاستيراد وفاتورة الطاقة.
معضلة صانع القرار: الموازنة بين خدمة الدين والنمو الاقتصادي
يقف البنك المركزي أمام معادلة بالغة الحساسية؛ حيث إن الإقدام على رفع الفائدة لحماية الجنيه واستقطاب الصناديق الدولية سيرتب تلقائياً قفزة في تكلفة الاقتراض للقطاع الخاص وزيادة حادة في فاتورة خدمة الدين الداخلي بالموازنة العامة للدولة؛ مما يهدد بفرملة وتيرة النشاط التشغيلي، في حين أن التثبيت يتطلب مراقبة لصيقة لتحركات السيولة بالبنوك للتأكد من عدم تجدد الضغوط على سوق الصرف.
