رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

فرنسا على حافة الانفجار.. إغلاق اللوفر واستنفار الجيش والشرطة قبل احتجاجات قد تشعل الشوارع من جديد

فرنسا
فرنسا


تدخل فرنسا مرحلة جديدة من التوتر الأمني والسياسي، مع استعداد السلطات لمواجهة موجة احتجاجات واسعة خلال عطلة نهاية الأسبوع، على خلفية الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم الغضب الشعبي، وسط مخاوف متزايدة من عودة مشاهد العنف والفوضى التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية، والتي وضعت الحكومة الفرنسية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على فرض الأمن والحفاظ على الاستقرار.

وتأتي هذه الاستعدادات في ظل حالة من القلق تسود العاصمة باريس وعددًا من المدن الفرنسية الكبرى، مع اتخاذ مؤسسات ثقافية وسياحية وتجارية إجراءات احترازية غير مسبوقة، شملت إغلاق مواقع بارزة وتقليص الأنشطة، بالتزامن مع خطط لتكثيف انتشار قوات الشرطة والاستعانة بوحدات عسكرية لتأمين المواقع الحساسة وحماية المنشآت العامة والخاصة.

ويطرح المشهد الفرنسي تساؤلات حول قدرة السلطات على احتواء الاحتجاجات دون الانزلاق إلى مواجهات واسعة، خاصة في ظل تداخل المطالب الاقتصادية والاجتماعية مع الخلافات السياسية، وتصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن أعمال الشغب، فضلًا عن الجدل المتعلق بالحدود الفاصلة بين الحفاظ على الأمن وضمان الحق الدستوري في التظاهر.

في مؤشر على حجم المخاوف الأمنية، أعلنت مجموعة من المتاحف والمؤسسات الثقافية والمتاجر الفاخرة إغلاق أبوابها بالكامل أو تقليص نشاطها يوم السبت، تحسبًا للتطورات المحتملة خلال الاحتجاجات المرتقبة.

وشملت الإجراءات متحف اللوفر، ومتحف أورسيه، وقصر غراند باليه، ومتحف بيكاسو، ومتحف أورانجيري، إلى جانب المعرض الدولي لهواة جمع الأعمال الفنية «آرت بازل باريس»، والمكتبة الوطنية الفرنسية والمؤسسات التابعة لها، فضلًا عن قصر فرساي الشهير.

وامتدت التدابير الاحترازية إلى عدد من المتاجر الفاخرة، من بينها متاجر كارتير ولويس فيتون، في خطوة تعكس مخاوف من تعرض الممتلكات التجارية لأعمال تخريب أو نهب، على غرار ما شهدته مدن فرنسية خلال موجة الاضطرابات السابقة.

ولا يقتصر تأثير هذه الإجراءات على الحركة التجارية والثقافية، إذ تحمل دلالات أوسع بشأن حجم القلق الذي يحيط بالعاصمة الفرنسية، ومدى استعداد المؤسسات العامة والخاصة لاحتمالات تصاعد المواجهات في الشوارع.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة العالمية التي تحتلها باريس بوصفها مركزًا للسياحة والفنون والتجارة الفاخرة، ما يجعل أي اضطراب أمني واسع النطاق ذا انعكاسات محتملة على النشاط الاقتصادي وصورة البلاد أمام العالم.

في مواجهة المخاوف من تجدد أعمال الشغب، تستعد الحكومة الفرنسية لنشر أعداد كبيرة من قوات الشرطة، مع الاستعانة ببعض الوحدات العسكرية للمساهمة في تأمين المواقع الحساسة خلال عطلة نهاية الأسبوع.

ومن المقرر أن تشمل المشاركة العسكرية عناصر من قوة «سنتينيل»، وهي قوة أُنشئت لتعزيز الحماية من التهديدات الإرهابية، وبدأت دورياتها في المدن الفرنسية عقب الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا وأوروبا منذ عام 2015، والتي ارتبط بعضها بتنظيم داعش.

وتتمثل مهمة هذه القوات في تأمين المواقع والمنشآت الحساسة، بما يتيح تخصيص مزيد من عناصر الشرطة للتعامل المباشر مع الاحتجاجات، وحماية المتاجر والمباني الحكومية، ومنع عمليات النهب والتخريب المحتملة.

وتعكس هذه الخطة محاولة لتفادي تكرار أوجه القصور التي أقرت السلطات بحدوثها خلال الاحتجاجات السابقة، عندما تجاوزت أعداد المشاركين التقديرات الرسمية، وامتدت الاضطرابات إلى عدد من المدن والمراكز الحضرية.

غير أن الاستعانة بالجيش في تأمين المواقع الحيوية لا تعني بالضرورة توليه مهام تفريق المتظاهرين؛ إذ يرتبط دوره، وفق الخطة المعلنة، بحماية المواقع الحساسة، بينما تظل مسؤولية التعامل المباشر مع التجمعات والاضطرابات ضمن اختصاص الأجهزة الأمنية المعنية.

وتواجه الحكومة تحديًا مزدوجًا يتمثل في منع الاعتداءات على الممتلكات والأفراد، من جهة، وتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاحتجاجات وزيادة حدة المواجهة بين الشارع والسلطات، من جهة أخرى.

على المستوى السياسي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن السلطات ستمنع تنظيم احتجاجات من جانب مجموعات تصفها الحكومة بأنها غير شرعية، في إطار مساعيها للحد من احتمالات تكرار أعمال العنف.

واتهم ماكرون جماعات من اليسار المتطرف بالوقوف وراء جانب من أعمال الشغب التي شهدتها البلاد، معتبرًا أن ما جرى خلال الاحتجاجات السابقة لم يكن مجرد تعبير عن مطالب اجتماعية، بل تضمن أعمالًا وصفها بالتخريبية واستهدفت مؤسسات الجمهورية.

وخلال اجتماع أمني خاص عقده في قصر الإليزيه، شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر حسمًا لمواجهة المجموعات التي ترى السلطات أنها تسعى إلى استغلال الاحتجاجات لإشاعة الفوضى والإضرار بالممتلكات العامة والخاصة.

وأكدت الحكومة أن خطتها خلال الأيام المقبلة ستقوم على رفض طلبات تنظيم المظاهرات التي تتقدم بها جهات أو شخصيات لا تستوفي الشروط القانونية، مع العمل على اقتراح مسارات بديلة للنقابات الراغبة في تنظيم احتجاجات، بهدف تقليل المخاطر التي قد تهدد أصحاب المتاجر والمنشآت التجارية.

لكن هذه الإجراءات تفتح الباب أمام نقاش سياسي وقانوني بشأن مدى التوازن بين متطلبات الأمن العام والحقوق والحريات التي يكفلها الدستور الفرنسي، وفي مقدمتها الحق في التظاهر السلمي.

ويزداد هذا الجدل تعقيدًا في ظل اعتراض نشطاء على بعض قرارات الحظر، ولجوئهم إلى القضاء للطعن فيها، باعتبار أن منع الاحتجاجات بصورة واسعة قد يقيد حق المواطنين في التعبير عن مطالبهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية.

لم تقتصر الاستعدادات الأمنية على العاصمة باريس، إذ أعلنت مدينتا مارسيليا وليون، ثاني وثالث أكبر المدن الفرنسية، حظرًا شاملًا للمظاهرات على أراضيهما يوم السبت، في خطوة تستهدف منع تكرار الاضطرابات التي شهدتها مدن عدة خلال الفترة الماضية.

وتواجه هذه القرارات احتمال الطعن أمام القضاء من جانب نشطاء أو جهات ترى أنها تمثل انتهاكًا للحق في التظاهر، الأمر الذي يضع السلطات المحلية أمام معادلة دقيقة بين منع أعمال العنف والحفاظ على الضمانات القانونية للحريات العامة.

وكانت باريس قد شهدت، يوم الأربعاء، مواجهة قانونية مماثلة، عندما حاولت السلطات منع تنظيم مظاهرات خشية تحولها إلى مواجهات عنيفة، قبل أن تلغي المحكمة قرار الشرطة بحظر الاحتجاج.

وعقب الحكم القضائي، خرج آلاف الأشخاص في مظاهرة بالعاصمة الفرنسية، لكنها اقتصرت على تجمع ثابت بدلًا من المسيرة التي كان مخططًا لتنظيمها في البداية، ولم ترد تقارير عن وقوع حوادث استثنائية خلال التجمع.

ورفع المشاركون لافتات حملت رسائل احتجاجية تنتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية، ومن بينها لافتة كُتب عليها: «نحن لا نحتاج إلى الغاز المسيل للدموع حتى يبدو مستقبلنا قاتمًا».

وعكست هذه الواقعة جانبًا من طبيعة الأزمة الفرنسية، إذ تتقاطع المخاوف الأمنية مع خلافات قانونية حول شرعية قرارات الحظر، بينما يحاول المتظاهرون الإبقاء على مساحة للتعبير عن مطالبهم، وتعمل الحكومة على منع تحول التجمعات إلى مواجهات مفتوحة.

تقف وراء الدعوات إلى تنظيم يوم احتجاج وطني يوم السبت جهات طلابية ونشطاء، من بينهم الاتحاد الطلابي الفرنسي الرئيسي «UNEF»، إلى جانب مشاركين في حركة السترات الصفراء، التي برزت عام 2018 خلال احتجاجات واسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية للرئيس إيمانويل ماكرون.

وتعيد هذه التحركات إلى الواجهة ملفات اقتصادية واجتماعية لا تزال تمثل مصدرًا للتوتر داخل فرنسا، وفي مقدمتها القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع النفقات المعيشية، والمخاوف بشأن مستقبل المؤسسات التعليمية والخدمات العامة.

وتعكس مشاركة أطراف طلابية ونقابية ونشطاء من خلفيات مختلفة اتساع نطاق الاعتراضات، وإن كانت طبيعة المطالب وأهداف الجهات المشاركة ليست بالضرورة واحدة.

وتكمن خطورة المرحلة الحالية في أن الغضب الاجتماعي قد يتداخل مع التحركات السياسية، بما يرفع احتمالات خروج الاحتجاجات عن مسارها السلمي إذا وقعت مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، أو استغلت مجموعات عنيفة التجمعات لتنفيذ أعمال تخريب ونهب.

وفي المقابل، تواجه الحكومة تحديًا يتمثل في التعامل مع أسباب الاحتقان الاجتماعي إلى جانب الاستعداد الأمني، إذ إن الاعتماد على الإجراءات الشرطية وحدها قد لا يكون كافيًا لإنهاء الخلافات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والسياسات العامة.

تعود المخاوف الحالية إلى الاضطرابات التي شهدتها فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة، عندما تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة في عدد من المدن، وتعرضت منشآت حكومية وتجارية لأعمال اعتداء وتخريب.

وبحسب الأرقام الواردة في التقارير المتعلقة بتلك الأحداث، تجاوز عدد المشاركين في الاحتجاجات مليون شخص، وهو ما فاق التقديرات الرسمية، بينما واجهت قوات الشرطة صعوبات في احتواء التطورات مع اتساع رقعة الاضطرابات.

وشهدت مدن من بينها باريس ومارسيليا وليون ونيس ونانت وليموج أعمال عنف ونهب، شملت الاعتداء على عناصر الشرطة، وإلقاء الحجارة، والاعتداء على المارة، وإضرام النيران في حاويات القمامة والسيارات وبعض المباني.

كما تعرضت نحو ثلاثة آلاف منشأة تجارية للنهب أو الأضرار، وفق الأرقام الواردة في النص الأصلي، وهو ما زاد المخاوف من أن تتحول الاحتجاجات المقبلة إلى موجة جديدة من الاعتداءات على الممتلكات.

وأسفرت الاضطرابات، بحسب البيانات المذكورة، عن توقيف أكثر من 2700 شخص وإصابة نحو ألف شرطي، بينهم أفراد تعرضوا لإصابات خطيرة.

وتكشف هذه الأرقام، إذا تأكدت رسميًا، عن حجم الضغط الذي واجهته الأجهزة الأمنية، وعن الأعباء التي قد تترتب على تجدد أعمال العنف، سواء على مستوى الخسائر المادية أو سلامة المواطنين وعناصر الشرطة.

أقر الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بوجود أوجه قصور في الاستعدادات الاستخباراتية والأمنية خلال الاضطرابات السابقة، في اعتراف يعكس حجم التحديات التي واجهت السلطات في تقدير نطاق الاحتجاجات والاستعداد لتداعياتها.

وأظهرت التطورات السابقة، وفق التصريحات الحكومية، أن حجم المشاركة واتساع رقعة الاضطرابات تجاوزا التوقعات، الأمر الذي وضع الشرطة في موقف صعب أمام الأعداد الكبيرة من المحتجين، خاصة مع انتشار أعمال العنف في أكثر من مدينة.

اقرا ايضا.. 

مصر قدمت 80% من مساعدات غزة.. حجازي يكشف مخططات التهجير

تم نسخ الرابط