10 ملايين م3يومياً.. كيف تراهن مصر على تحلية مياه البحر لتحقيق الأمن المائي؟
تحلية مياه البحر.. اتخذت الدولة المصرية خطوة تنفيذية متقدمة في مسار تعزيز أمنها المائي وحماية مقدراتها المستدامة؛ بتوقيع عقود تشغيل وصيانة 11 محطة لتحلية مياه البحر بإجمالي استثمارات بلغت نحو 4.6 مليار جنيه، وبطاقة إنتاجية ضخمة تصل إلى 485 ألف متر مكعب يومياً، في إطار خطة تستهدف إسناد إدارة المرافق الكبرى للتحالفات المتخصصة لرفع الكفاءة التشغيلية والحد من الهدر والأعطال الفنية.
وتتكامل هذه الخطوة مع المخطط الاستراتيجي للدولة للتوسع في إنتاج المياه المحلاة بالمحافظات الساحلية والحدودية، لتخفيف العبء التمويلي والهندسي عن نقل مياه النيل لمسافات طويلة، والوصول بالطاقة الإنتاجية الإجمالية لتحلية مياه البحر إلى نحو 10 ملايين متر مكعب يومياً بحلول عام 2050.
التوزيع الجغرافي والأهداف الفنية للشراكة
تتوزع المحطات الـ 11 على نطاقات ساحلية استراتيجية تشهد طلباً متنامياً على مياه الشرب:
المحافظات المستفيدة: تتركز المحطات في مناطق شمال وجنوب سيناء، ومطروح، والبحر الأحمر، وهي أقاليم ذات ثقل سياحي وتنموي وتعديني، تعتمد بصورة رئيسية على التحلية كخيار لا بديل عنه لتلبية احتياجات التجمعات السكنية والمشروعات الفندقية والاستثمارية.
إشراك القطاع الخاص والخبرات الدولية: يستند نموذج التشغيل إلى الشراكة مع شركات وطنية وعالمية متخصصة في التشغيل والصيانة (O&M)، بهدف تطبيق أحدث نظم المراقبة الرقمية، ورفع العمر الافتراضي للأغشية والمعدات، وتأمين تدفقات مياه الشرب دون انقطاع.
معايير كفاءة الطاقة: يركز التعاقد الجديد على تطبيق حلول استرجاع الطاقة (Energy Recovery Devices) لتقليص استهلاك الكهرباء لكل متر مكعب منتج، ما يخفض تكاليف الإنتاج التشغيلية ويحد من الانبعاثات الكربونية بالتوازي مع استراتيجيات الطاقة النظيفة.
تحلية مياه البحر في ميزان الأمن القومي المائي
يمثل التوسع في محطات التحلية تحولاً جوهرياً في إدارة الموارد المائية المصرية لمواجهة ثبات حصة نهر النيل التاريخية (55.5 مليار م3 سنوياً) والنمو السكاني المتسارع:
فصل مدن السواحل عن شبكة وادي النيل: يتيح الاعتماد الكامل للمدن الساحلية (من رفح وطابا شرقاً حتى السلوم غرباً وسفاجا وحلايب جنوباً) على تحلية مياه البحر توفير كميات مكافئة من مياه النيل العذبة، وتوجيهها لتلبية الاحتياجات التوسعية في الدلتا والوادي والظهير الزراعي والصناعي.
تحفيز المشروعات التنموية والصناعية: يوفر الضخ المستقر لـ 485 ألف م3 يومياً البنية التحتية الأساسية لجذب الاستثمارات إلى سيناء ومحاور التجارة كـ "العريش - طابا"، ودعم مشروعات الاستصلاح والتعدين دون القلق من شح الموارد المائية.
الربط مع الطاقات المتجددة: تتجه المشروعات المستقبلية لدمج محطات التحلية بحقول الطاقة الشمسية ومزارع الرياح، للاستفادة من الميزة التنافسية للسطوع الشمسي والرياح الساحلية في مصر، وخفض تكلفة الكيلووات المغذي لمحطات التناضح العكسي (RO).
هل تصبح التحلية الحل الحاسم لتأمين مستقبل المياه؟
تؤكد المؤشرات الهندسية والبيئية أن تحلية مياه البحر لم تعد مجرد خيار تكميلي، بل غدت ركيزة استراتيجية محورية لإعادة هندسة منظومة المياه المصرية حتى عام 2050؛ فالوصول إلى مستهدف الـ 10 ملايين متر مكعب يومياً سيوفر تدفقاً سنوياً يناهز 3.65 مليار متر مكعب من المياه العذبة النقية، وهو ما يمنح الدولة مرونة سيادية واسعة للتكيف مع تحديات التغير المناخي والتقلبات الهيدرولوجية الإقليمية، وتأمين احتياجات الأجيال المقبلة والتوسعات العمرانية الجديدة.


