رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الصين أمام اختبار أوروبي.. هل تتخلى عن مليارات الدولارات لدعم صادرات السيارات؟

السيارات
السيارات

تتصاعد الخلافات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مع اتساع حضور السيارات الكهربائية الصينية في الأسواق الأوروبية، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج والحوافز الحكومية التي تمنحها قدرة أكبر على المنافسة. ومع تنامي القلق الأوروبي بشأن مستقبل صناعة السيارات والوظائف المرتبطة بها، يبرز تقليص المزايا الضريبية للصادرات الصينية باعتباره أحد الخيارات المطروحة لاحتواء التوتر، ومنح الشركات الأوروبية مساحة أكبر لمواجهة المنافسة المتزايدة.

ويقوم المقترح على خفض رد ضريبة القيمة المضافة على صادرات السيارات الكهربائية الصينية، وصولًا إلى إلغائه تدريجيًا، في خطوة قد تحد من بعض المزايا السعرية التي تتمتع بها الشركات الصينية في الأسواق الخارجية. غير أن تطبيق هذا التوجه قد يفرض ضغوطًا متفاوتة على الشركات، كما أن تأثيره على العلاقات التجارية سيظل مرتبطًا بموقف الاتحاد الأوروبي ومدى استجابته لهذه الخطوة.

الصادرات الصينية تزيد مخاوف أوروبا

عززت شركات السيارات الصينية حضورها في الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من التطور التكنولوجي في صناعة المركبات الكهربائية، إلى جانب قدرتها على الإنتاج بكميات كبيرة وتكاليف تنافسية.

وانعكس هذا التوسع على السوق الأوروبية، حيث باتت العلامات التجارية الصينية تنافس الشركات التقليدية في قطاع يمثل ركيزة مهمة للاقتصاد والتوظيف في عدد من الدول، وفي مقدمتها ألمانيا.

ووفق تقديرات الجمعية الصينية لسيارات الركاب الواردة في التقرير، من المتوقع أن تتجاوز صادرات الصين 12 مليون مركبة خلال العام الجاري، تشمل سيارات الركاب والحافلات والشاحنات، مقابل نحو 8.3 مليون مركبة في عام 2025، بزيادة تبلغ 44%.

ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على تراجع حصة الشركات المحلية في السوق، بل تمتد إلى احتمالات تأثر المصانع وفرص العمل وشبكات الموردين، خاصة في ألمانيا التي تعتمد قطاعات واسعة من اقتصادها على صناعة السيارات والصناعات المرتبطة بها.

الضرائب تتحول إلى ورقة تفاوض

بدأت الصين العمل ببرامج رد الضرائب عام 1985، بهدف تشجيع الصادرات وتوفير العملات الأجنبية ودعم بناء القاعدة الصناعية. وتتيح هذه البرامج للمصدرين استرداد بعض الضرائب المدفوعة على المدخلات المستخدمة في إنتاج السلع المخصصة للأسواق الخارجية.

ومع تطور قطاعات صناعية صينية ووصولها إلى مستويات متقدمة من الإنتاج، اتجهت الحكومة إلى تقليص بعض الحوافز الضريبية في صناعات، من بينها الصلب والألومنيوم والنحاس ومنتجات الطاقة الشمسية والبطاريات.

ويستند المقترح المتعلق بالسيارات الكهربائية إلى تطبيق النهج نفسه على هذا القطاع، من خلال تقليص رد ضريبة القيمة المضافة البالغة 13% وفقًا للتقرير. ويرى مؤيدو هذه الخطوة أنها قد تدفع الشركات إلى تعزيز كفاءة التشغيل وخفض تكاليف الإنتاج، بدلًا من الاعتماد على المزايا الضريبية لدعم قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.

لكن أثر القرار لن يكون متساويًا على جميع الشركات؛ إذ قد تتمكن الشركات الكبرى، بفضل مواردها المالية، من استيعاب جزء من الأعباء الجديدة، بينما تواجه الشركات الأصغر ضغوطًا أكبر على أرباحها.

«بي واي دي» أمام ضغوط على الأرباح

تأتي شركة «بي واي دي» ضمن الشركات التي قد تتأثر بتقليص الحوافز الضريبية، في ظل توسع أعمالها الخارجية وارتفاع مبيعاتها في الأسواق العالمية.

وبحسب تقديرات تقريبية أوردها التقرير، استنادًا إلى إيرادات الشركة من أنشطة السيارات خارج الصين وحجم مبيعاتها، ربما بلغت قيمة الميزة الضريبية التي استفادت منها «بي واي دي» نحو 16.8 مليار يوان، بما يعادل 2.5 مليار دولار، خلال النصف الأول من العام الجاري.

ويتجاوز هذا التقدير صافي أرباح الشركة البالغ 12.3 مليار يوان خلال الفترة نفسها، وفق الأرقام الواردة في التقرير. ومع ذلك، فإن قيمة الميزة الضريبية المحتملة لا تعني أن إلغاء الحافز سيؤدي تلقائيًا إلى خسارة الشركة المبلغ نفسه، إذ يتوقف الأثر الفعلي على طبيعة القرار وكيفية تطبيقه ورد فعل الشركة والأسواق.

وفي حال تقليص الحوافز، قد تلجأ شركات السيارات الصينية إلى زيادة أسعار بعض الطرازات المصدرة، أو خفض تكاليف الإنتاج والتوزيع، أو تحمل جزء من الأعباء الجديدة من خلال تقليص هوامش الأرباح.

الوظائف الأوروبية في قلب المواجهة

يتجاوز الخلاف بين بكين وبروكسل مسألة أسعار السيارات، مع تصاعد المخاوف من أن تؤدي المنافسة السعرية إلى زيادة الضغوط على المصانع الأوروبية وتقليص فرص العمل في القطاع.

وفي ألمانيا، أشار التقرير إلى تحركات مرتبطة باتفاقيات الأجور في شركة «فولكس واجن»، بالتزامن مع تصاعد الضغوط التنافسية، كما أورد خططًا لإلغاء وظائف في الشركة تصل إلى 100 ألف وظيفة، إلى جانب خطط لدى «بي إم دبليو» لإلغاء ما يصل إلى 8 آلاف وظيفة.

وتوضح هذه التطورات مدى أهمية صناعة السيارات للاقتصاد الأوروبي، إذ لا يقتصر تأثيرها على الشركات المنتجة، بل يشمل أيضًا موردي قطع الغيار والخدمات اللوجستية وشبكات الصيانة والتوزيع.

ومع ذلك، لا يمكن إرجاع خطط خفض الوظائف إلى المنافسة الصينية وحدها؛ فشركات السيارات الأوروبية تواجه أيضًا أعباء التحول إلى المركبات الكهربائية، وتكاليف الاستثمار في التكنولوجيا، وتغير أنماط الطلب، وإعادة هيكلة خطوط الإنتاج.

هل ينجح التنازل الضريبي في تهدئة أوروبا؟

يقترح الطرح تنفيذ إلغاء الحوافز الضريبية على مراحل تمتد لعام أو أكثر، بدلًا من اتخاذ قرار مفاجئ قد يربك الشركات والمستوردين والموزعين. ومن شأن التدرج أن يمنح الشركات وقتًا لإعادة تقييم تكاليفها وتعديل سياساتها التجارية والتسعيرية.

وقد يمثل هذا التوجه إشارة إلى استعداد الصين لمراجعة بعض السياسات التي تثير اعتراضات شركائها التجاريين، بالتزامن مع تصاعد المطالب الأوروبية بمعالجة الاختلال في الميزان التجاري مع بكين.

لكن مدى نجاح الخطوة في احتواء التوترات سيعتمد على موقف الاتحاد الأوروبي، وما إذا كان سيعتبر تقليص الحوافز تنازلًا كافيًا لمعالجة مخاوفه، إلى جانب طبيعة الإجراءات التجارية الأخرى التي قد تُطرح على طاولة المفاوضات.

وفي المقابل، قد يؤدي خفض الحوافز إلى ارتفاع أسعار بعض السيارات الصينية أو تراجع هوامش أرباح الشركات، لكنه لن يضمن وحده استعادة الشركات الأوروبية حصصها السوقية؛ إذ ستظل المنافسة مرتبطة بجودة السيارات وتطورها التكنولوجي وتكلفتها وقدرة الشركات على تلبية احتياجات المستهلكين.

وتكشف هذه المواجهة عن تحول في المنافسة الصناعية العالمية، بعدما نجحت الصين في بناء صناعة سيارات كهربائية قادرة على التوسع خارج حدودها. وأصبحت السياسات الضريبية الداعمة للصادرات جزءًا من معادلة أوسع، تتداخل فيها المصالح الصناعية والتجارية مع مساعي تجنب نزاع اقتصادي قد يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية.

تم نسخ الرابط