«الوردة والتاج» تفتح ملف الوحدة وفقدان الأحبة.. كيف يتحول الألم إلى معاناة تخفيها الضحكات؟
تطرح مسرحية «الوردة والتاج» للمخرج محمد ممدوح، بطولة الفنانة رهف الوصيف، واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا؛ علاقة الإنسان بالحياة والموت، والصراع الداخلي الذي يعيشه بين الشكوى من قسوة الأيام والخوف من نهايتها.
ومن خلال 7 شخصيات تتباين تجاربها وأوجاعها، ينسج العمل حكاية تتجاوز حدود الخشبة لتضع المشاهد أمام أسئلة تمس حياته الشخصية: هل نكره الحياة فعلًا، أم أننا نكره ما نمر به خلالها؟ وهل ندرك قيمة ما نملكه إلا عندما نشعر بأننا على وشك فقدانه؟

تبدأ الحكاية مع شخصيات تبدو وكأنها استنفدت قدرتها على الاحتمال؛ لكل منها حكاية موجعة وأسباب تدفعها إلى الضيق من الحياة والتعبير عن رغبتها في الخلاص منها، لكن ظهور شخصية «الغريب» يقلب موازين الحكاية، فالغريب ليس مجرد شخصية تأتي لتأخذ أحدهم إلى الموت، بل يتحول إلى اختبار حقيقي يكشف ما تخفيه النفوس خلف كلمات الشكوى والتذمر، وفجأة، تتراجع الرغبة المعلنة في الرحيل، وتظهر غريزة التمسك بالحياة، حتى لدى أولئك الذين بدوا أكثر رفضًا لها.
وتتجلى المفارقة الأبرز في شخصية سعيد التي يقدمها المخرج محمد ممدوح بنفسه، والذي يبدو الأكثر تصالحًا مع الحياة والأكثر احتفاءً بتفاصيلها، فهو إنسان مرح، محب للتعلم واكتشاف العالم، يرى في العمر فرصة مفتوحة لاكتساب الخبرات والاستمتاع بما تقدمه الأيام، لا يتعامل سعيد مع الحياة باعتبارها عبئًا ينبغي التخلص منه، بل مساحة تستحق أن تُعاش بكل ما فيها من تجارب واحتمالات، حتى إنه يتمنى أن يعيش مئة عام، غير أن المفارقة الدرامية تكمن في أنه، وسط شخصيات تتراجع أمام الموت وتتشبث بالحياة، يصبح سعيد هو من يقبل الرحيل مع الغريب.
وهنا تفتح المسرحية بابًا للتأمل في طبيعة علاقتنا بالنهايات؛ فربما لا تكمن الشجاعة في تمني الموت أو التظاهر بعدم الخوف منه، وإنما في القدرة على عيش الحياة بصدق، وتقدير لحظاتها، والتصالح مع حقيقة أنها ليست أبدية.
ومن خلال هذا التناقض، يدفع العمل المشاهد إلى إعادة النظر في الشكوى اليومية، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع الأزمات، وكأننا نؤجل سعادتنا إلى وقت لا نعرف إن كان سيأتي أم لا.
وفي قلب هذه الحكاية، تبرز شخصية نفيسة، التي تقدمها الفنانة رهف الوصيف، بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات ثراءً من الناحية الإنسانية. فنحن أمام امرأة تجاوزت الثمانين من عمرها، فقدت زوجيها وأبناءها الثلاثة، لتجد نفسها وحيدة بعد أن خسرت الأشخاص الذين شكلوا عالمها وأقرب مصادر الأمان إليها، لكن مأساة نفيسة لا تتوقف عند الفقد، بل تمتد إلى ما هو أكثر قسوة: أن تعيش بقية عمرها وكأنها غير مرئية، فلا أحد يسأل عنها، ولا أحد يطمئن على أحوالها، ولا تجد من يمنحها الشعور بأنها لا تزال جزءًا من حياة الآخرين.

وتحاول نفيسة أن تواجه هذا الفراغ بقناع من المرح وخفة الظل، فتبدو في بعض اللحظات وكأنها امرأة متصابية تسعى إلى استعادة شبابها، أو إلى إقناع من حولها بأنها لا تزال قادرة على الضحك والاستمتاع بالحياة، لكن هذا القناع لا ينجح في إخفاء كل شيء؛ فخلف الكلمات المرحة تسكن مرارة الفقد، وخلف محاولات إظهار السعادة تختبئ امرأة أنهكتها الوحدة، وتحتاج إلى من يراها ويسمعها ويمنحها بعض الاهتمام.
وتزداد قسوة مأساة نفيسة حين تتجاوز نظرة المجتمع وحدتها إلى تحميلها مسؤولية ما أصاب أسرتها، والنظر إليها باعتبارها مصدرًا للنحس والتعاسة لمجرد وفاة زوجيها وأبنائها، وهنا لا تصبح الشخصية مجرد امرأة فقدت أحبّاءها، بل إنسانة تواجه ظلمًا مضاعفًا؛ فهي تعاني ألم الفقد، ثم تجد نفسها مطالبة بتحمل أحكام الآخرين أيضًا، إنها صورة مؤلمة لما قد يحدث عندما يتحول المجتمع، بدلًا من أن يكون مصدرًا للمواساة، إلى عبء إضافي على إنسان لم يعد يملك الكثير من القوة لمواجهة الحياة.
وتمنح هذه التفاصيل شخصية نفيسة بعدًا يتجاوز حدود الحكاية الفردية، لتصبح انعكاسًا لمعاناة بعض كبار السن الذين يعيشون على هامش حياة انشغل فيها الجميع عنهم. فالمأساة هنا ليست في أن الإنسان يكبر في العمر فحسب، بل في أن يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأن سنواته الطويلة وتجربته وفقده لم تعد تعني شيئًا لأحد، وأن وجوده أصبح عبئًا في نظر الآخرين بدلًا من أن يكون جديرًا بالاحتواء والتقدير.
وتصل هذه الرحلة الإنسانية إلى ذروتها في المونولوج الأخير لـ نفيسة، الذي تختصر فيه الشخصية جوهر الحكاية حين تتحدث عن الفرصة التي قد تظل متاحة، وعن إدراك قيمة الحياة بعد سنوات طويلة، قبل أن يصبح الندم بلا جدوى، وتقول: «يمكن فعلًا الفرصة ما راحتش، لكن إحنا اللي دايمًا بنستنى عمر بحاله لحد ما بنقدر نفهم قيمة الحياة، وساعتها بيبقى خلاص، ما عادش ينفع كلمة يا ريت».
تحمل هذه الكلمات خلاصة الفكرة التي تتحرك داخل المسرحية؛ فنحن كثيرًا ما نؤجل الفرح، ونستسلم للضيق، وننتظر أن تتغير الظروف حتى نبدأ في الاستمتاع بالحياة، بينما تمر الأيام دون أن ننتبه إلى ما نفقده خلالها، وقد لا تكون المشكلة في غياب أسباب السعادة بقدر ما تكون في انتظارنا الدائم للحظة مثالية لا تأتي بالضرورة.
وتكمن قيمة «الوردة والتاج» في أنها لا تكتفي بطرح الموت باعتباره نهاية محتومة، بل تستخدمه مرآة تكشف مواقف الشخصيات من الحياة، وتعري التناقض بين ما تقوله وما تشعر به، وبين ما تتمنى الهروب منه وما تخشى فقدانه.
ومن خلال التباين بين سعيد الذي يقبل الرحيل، ونفيسة التي تحمل خلف ضحكاتها تاريخًا طويلًا من الفقد والوحدة، تتعدد زوايا النظر إلى المعاناة الإنسانية، ويصبح لكل شخصية معنى يتجاوز دورها في الأحداث.

