اللواء باقي زكي يوسف.. صاحب فكرة خراطيم المياه لاقتحام خط بارليف
تظل حرب أكتوبر المجيدة واحدة من أبرز المحطات المضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، بعدما جسدت قدرة المصريين على تحويل إرادة التحرير واستعادة الأرض إلى واقع ملموس، في ملحمة عسكرية شاركت فيها مختلف التشكيلات والقيادات بالقوات المسلحة، وخاض خلالها الجنود معركة استعادة الكرامة الوطنية، مقدمين أرواحهم ثمنا لتحرير الأرض ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشين، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة المصرية وقواتها المسلحة على إعادة بناء قدراتها، والتخطيط لمعركة العبور، والتعامل مع التحصينات والعوائق التي أقامتها إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس، وصولا إلى اللحظة التاريخية التي تمكنت فيها القوات المصرية من عبور القناة واقتحام خط بارليف.
وفي خضم هذه الملحمة، برزت أسماء عدد كبير من القادة والضباط الذين أسهموا في الإعداد للمعركة، سواء من خلال التخطيط العسكري أو تطوير أساليب التعامل مع العقبات التي واجهت القوات المصرية، ومن بين هذه الأسماء اللواء باقي زكي يوسف، صاحب الفكرة التي اعتمدت على استخدام قوة دفع المياه في فتح ثغرات داخل الساتر الترابي لخط بارليف.
ولد اللواء باقي زكي يوسف في القاهرة عام 1931، والتحق بالتعليم الجامعي حتى تخرج في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، قسم الميكانيكا، عام 1954.
وفي ديسمبر من العام نفسه، التحق بالقوات المسلحة، ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لسنوات طويلة، جمع خلالها بين التأهيل الهندسي والخبرة العسكرية، وهو ما أسهم لاحقا في قدرته على التفكير في حلول عملية للمشكلات الهندسية التي واجهت القوات المسلحة خلال مراحل الإعداد لحرب أكتوبر.
وخلال سنوات خدمته بالقوات المسلحة، شارك باقي زكي يوسف في العمل ضمن مشروع بناء السد العالي، بعدما طلبت القوات المسلحة عددا من الضباط المهندسين في تخصصات مختلفة للمشاركة في المشروع، وكان من بين الضباط الذين وقع عليهم الاختيار للعمل في هذا المشروع القومي الكبير.
بعد عدوان يونيو 1967، عاد اللواء باقي زكي يوسف إلى صفوف القوات المسلحة، في مرحلة تاريخية بالغة الصعوبة، كانت مصر خلالها تعيد ترتيب أوراقها وتعمل على إعادة بناء قواتها المسلحة والاستعداد لمعركة استعادة الأرض.
وشكلت السنوات التي أعقبت يونيو 1967 مرحلة مهمة في مسيرته العسكرية، حيث واصل عمله داخل القوات المسلحة، بالتزامن مع جهود الدولة المصرية لإعادة بناء الجيش ورفع كفاءته والاستعداد لخوض معركة التحرير.
تدرج اللواء باقي زكي يوسف في الرتب والمناصب المختلفة داخل القوات المسلحة، مستفيدا من خلفيته الهندسية وخبراته التي اكتسبها خلال سنوات خدمته.
ووصل إلى رتبة لواء عام 1984، بعد مسيرة عسكرية حافلة بالعمل والعطاء، جمع خلالها بين المعرفة الهندسية والخبرة الميدانية، في وقت كانت فيه القوات المسلحة المصرية تعمل على تطوير قدراتها والتعامل مع التحديات التي فرضتها طبيعة المعركة المقبلة.
وتقديرا لما قدمه من جهود وما ارتبط باسمه من دور في الإعداد للمعركة، حصل اللواء باقي زكي يوسف على نوط الجمهورية العسكري من الدرجة الأولى، الذي منحه له الرئيس الراحل أنور السادات عام 1974.
كيف جاءت فكرة استخدام خراطيم المياه لاختراق خط بارليف؟
قبل حرب أكتوبر بنحو ستة أشهر، طرح اللواء باقي زكي يوسف فكرته الخاصة بالتعامل مع الساتر الترابي الذي أقامته إسرائيل على طول الضفة الشرقية لقناة السويس.
وجاءت الفكرة بعد سنوات من البحث عن وسيلة مناسبة للتغلب على هذا العائق، إذ استمرت المحاولات لنحو أربع سنوات بهدف الوصول إلى حل عملي يمكن القوات المصرية من عبور الساتر الترابي والوصول إلى الضفة الشرقية للقناة.
وكان الساتر الترابي الذي أقامته إسرائيل أحد أبرز التحديات التي واجهت مخططي عملية العبور، حيث بلغ ارتفاعه في بعض المناطق نحو 20 مترا، وأقيم على امتداد قناة السويس، ليشكل حاجزا ضخما أمام القوات المصرية
وسط هذه التحديات، قدم اللواء باقي زكي يوسف تصورا يعتمد على استخدام المياه بدلا من الوسائل التقليدية في التعامل مع الساتر الترابي.
وتقوم الفكرة على استخدام قوة دفع المياه من خلال خراطيم ضخمة لتفتيت وإزالة أجزاء من الرمال والتراب المكون للساتر، بما يسمح بفتح ثغرات وممرات تستطيع القوات والمعدات المصرية المرور من خلالها إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.
ورغم أن اللواء باقي زكي يوسف كان يعمل في مجال قيادة المركبات، ولم يكن متخصصا في هذا النوع من الأعمال الهندسية تحديدا، فإن خبرته الهندسية وقدرته على التفكير في حلول عملية أسهمتا في طرح الفكرة التي سرعان ما دخلت مرحلة الاختبار والتدريب.
لم تتوقف الفكرة عند مرحلة الاقتراح، وإنما خضعت للاختبار والتجربة والتدريب على تنفيذها خلال الأشهر الستة التي سبقت حرب أكتوبر.
وخلال تلك الفترة، عملت القوات المسلحة على اختبار مدى قدرة هذه الطريقة على فتح الثغرات داخل الساتر الترابي، والتأكد من إمكانية تطبيقها على نطاق واسع أثناء عملية العبور.
ومع نجاح الاختبارات، أصبحت الفكرة جزءا من الاستعدادات الهندسية والعسكرية للمعركة، وأحد الحلول التي جرى الاعتماد عليها للتعامل مع الساتر الترابي لخط بارليف.
من الفكرة إلى التنفيذ يوم العبور
مع انطلاق حرب أكتوبر، انتقلت الفكرة من مرحلة التجارب والتدريب إلى أرض المعركة.
واستخدمت القوات المصرية خراطيم المياه ذات قوة الدفع العالية في فتح الثغرات داخل الساتر الترابي، ما ساعد على إزالة كميات كبيرة من الرمال والتراب، وفتح ممرات أمام القوات والمعدات المصرية للعبور.
ومع اتساع هذه الثغرات، أصبح الطريق ممهدا أمام القوات المصرية لعبور قناة السويس والتقدم إلى الضفة الشرقية، في واحدة من أبرز مراحل معركة السادس من أكتوبر.
وهكذا تحولت الفكرة التي بدت في ظاهرها بسيطة إلى حل هندسي لعب دورا مهما في التعامل مع أحد أصعب العوائق التي كانت تواجه القوات المصرية خلال عملية العبور
كان التعامل مع الساتر الترابي يمثل تحديا رئيسيا أمام القوات المصرية، ولذلك شكل نجاح فكرة استخدام المياه في فتح الثغرات خطوة مهمة ضمن منظومة الاستعدادات التي سبقت عملية العبور.
وبفضل جهود المهندسين والضباط والجنود، أمكن فتح ممرات في الساتر الترابي، لتتمكن القوات المصرية من عبور قناة السويس وبدء التقدم على الضفة الشرقية، بالتزامن مع العمليات العسكرية التي استهدفت تحصينات خط بارليف.
وأثبتت المعركة أن النجاح العسكري لا يعتمد فقط على قوة السلاح، وإنما يمتد أيضا إلى القدرة على التفكير والابتكار وإيجاد حلول غير تقليدية للعقبات التي قد تبدو في ظاهرها شديدة الصعوبة.
اسم ارتبط بواحدة من أهم أفكار حرب أكتوبر
ورغم أن اللواء باقي زكي يوسف كان في سن صغيرة نسبيا وقت حرب أكتوبر، فإن اسمه ارتبط بفكرة أصبحت واحدة من أشهر الأفكار الهندسية التي ساعدت في تنفيذ عملية العبور.
وقد ارتبطت قصة خراطيم المياه بمرحلة شديدة الأهمية من الحرب، وهي مرحلة فتح الثغرات في الساتر الترابي، بما ساعد القوات المصرية على تجاوز أحد العوائق الرئيسية التي وضعتها إسرائيل أمام عملية العبور.
وتبقى تجربة اللواء باقي زكي يوسف نموذجا للدور الذي يمكن أن يؤديه الابتكار الهندسي والفكر العملي في دعم العمليات العسكرية، خاصة عندما يتحول الحل النظري إلى إجراء قابل للتنفيذ على أرض المعركة.
بعد سنوات طويلة من العطاء في القوات المسلحة، توفي اللواء باقي زكي يوسف في 23 يونيو 2018، تاركا وراءه سيرة عسكرية ارتبطت بمرحلة فارقة في تاريخ مصر الحديث.
اقرأ أيضاً.. المشير الجمسي.. «مهندس حرب أكتوبر» وصاحب «الكشكول» الذي حدد موعد العبور