رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

رائد الديب يكتب: "إلى أطراف الأرض".. الرحالة العرب وخرائط العالم القديم

تفصيلة

قبل أن تصبح الأقمار الصناعية قادرة على تصوير الأرض كاملة، وقبل أن يحمل الإنسان هاتفا صغيرا يعرف موقعه في الصحراء والبحر والغابة، وقبل أن تتحول الخريطة من ورقة مرسومة بالحبر إلى شاشة إلكترونية تحدد لك موقعك في ثوان، كان العالم بالنسبة للإنسان مساحة هائلة من المجهول.. بحار لا يعرف أين تنتهي، وصحاري لا يعرف ما وراءها، وشعوب لا يعرف عنها إلا ما يرويه التجار، ومدن لا تظهر على الخرائط إلا باعتبارها أسماء غامضة، وأنهار وجبال وجزر تحيط بها الأساطير أكثر ما تحيط بها المعلومات.

وفي ذلك العالم، لم يكن العرب والمسلمون مجرد مسافرين يعبرون البلدان، وإنما كانوا من أبرز من نقلوا الرحلة من مجرد انتقال من مكان إلى آخر إلى مشروع للمعرفة والجغرافيا ووصف الإنسان والأرض.. كانت الرحلة تجارة أحيانا، وطلبا للعلم أحيانا أخرى، وسفارة سياسية في أحيان ثالثة، ومهمة رسمية، أو بحثا عن أخبار الشعوب والطرق والبحار والثروات.

ولهذا خرج من العالم الإسلامي خلال قرون طويلة رجال حملوا الأقلام كما حملوا عصي السفر، وتركوا لنا كتبا أصبحت لاحقا من أهم مصادر معرفة العالم في العصور الوسطى؛ فقبل ابن بطوطة.. عندما كانت بغداد ترى العالم من خلال الرحالة، لم تبدأ الرحلات العربية مع ابن بطوطة، ولم يكن هو أول من حمل أخبار العالم إلى المشرق؛ ففي القرن التاسع الميلادي، ظهرت مؤلفات ورحلات لعدد من التجار والجغرافيين الذين وصفوا الهند والصين وطرق التجارة البحرية والمواني الآسيوية.

ومن أبرز الأسماء في هذه المرحلة سليمان التاجر، الذي ارتبطت أخباره برحلات التجارة إلى الهند والصين، ثم جاءت أخبار أبي زيد السيرافي في القرن العاشر لتضيف تفاصيل عن العالم البحري الممتد من الخليج العربي إلى الهند والصين، كان البحر في ذلك الزمن كتابا مفتوحا، لكن قراءته لم تكن سهلة.

كانت الرياح الموسمية تحدد مواعيد الرحلات، والتيارات البحرية يمكن أن تقذف بالسفن إلى أماكن لا يعرفها طاقمها، والقراصنة والعواصف والأمراض والجوع كانت جزءا طبيعيا من ثمن المعرفة، ومع ذلك، ظل التجار والبحارة يعبرون البحر، ومع كل رحلة كانت خريطة العالم تتسع.

في عام 921م خرج أحمد بن فضلان في مهمة رسمية في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله، لم تكن رحلته مجرد مغامرة شخصية؛ فقد أرسلته الخلافة العباسية ضمن بعثة إلى بلاد البلغار على نهر الفولغا، في منطقة تقع في نطاق روسيا الحالية، قطع ابن فضلان مسافات شاسعة عبر العراق وإيران وآسيا الوسطى، ثم وصل إلى منطقة الفولغا، وترك وصفا مهما للشعوب التي قابلها، ومن أشهر ما سجله مشاهداته عن الروس/الفايكنج الذين التقى بهم هناك، وتكتسب رحلته أهميتها من كونها واحدة من أقدم الشهادات المكتوبة التي تقدم وصفا مباشرا لشعوب شمال أوروبا وشرقها من منظور مسلم وصل إلى تلك المناطق في القرن العاشر.

كان ابن فضلان ينظر ويسأل ويسجل، وهنا تكمن قيمة الرحلة؛ فالرحالة لم يكن مجرد شخص يريد الوصول إلى وجهته، بل كان في كثير من الأحيان عينا متنقلة للعالم الإسلامي.. ثم جاء علي بن الحسين المسعودي، أحد أشهر جغرافيي ومؤرخي الحضارة الإسلامية، والذي عاش في القرن العاشر الميلادي، وتوفي نحو 956م، لقبه بعض الباحثين المتأخرين بـ"هيرودوت العرب"، لأنه جمع بين التاريخ والجغرافيا ووصف الشعوب والأديان والعادات والبلدان.

تنقل المسعودي في مناطق واسعة من العالم الإسلامي وخارجه، وارتبطت رحلاته بمصر والشام والعراق وفارس والهند وغيرها من المناطق، كما نقل معلومات عن مناطق بعيدة وصلت أخبارها إلى العالم الإسلامي عبر التجار والبحارة، وفي أعماله، لم تكن الجغرافيا مجرد أسماء للمدن، كان يحاول فهم الشعوب والاقتصاد والطرق والبحار والسياسة والثقافات.. كانت الأرض عنده منظومة مترابطة.

وفي القرن العاشر أيضا ظهر محمد بن حوقل، الذي بدأ رحلاته الجغرافية في منتصف القرن العاشر تقريبا، وامتدت جولاته على مدى عقود، وصل إلى مناطق في شمال إفريقيا والأندلس والشرق الإسلامي، واهتم بالطرق والمدن والتجارة والموارد، وكان كتابه "صورة الأرض" من الأعمال الجغرافية المهمة في التراث الإسلامي.

واللافت في تجربة ابن حوقل، أن الرحلة لم تعد مجرد سرد للمغامرات، بل أصبحت محاولة لرسم صورة منظمة للعالم المعروف، فهو يصف المدن، ويقارن المسافات، ويتحدث عن الطرق والثروات والتجارة، ويقدم معلومات يمكن أن يستفيد منها التجار والحكام والجغرافيون، وهكذا تحولت أقدام الرحالة إلى أدوات لرسم الخرائط.

وفي القرن الثاني عشر جاء محمد الإدريسي، وهو من أبرز الجغرافيين في التاريخ الإسلامي، انتقل إلى صقلية، وعمل في بلاط الملك روجر الثاني، وهناك شارك في مشروع جغرافي ضخم انتهى إلى إنتاج عمل شهير ارتبط بخريطة العالم المعروفة باسم خريطة الإدريسي، وكتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، وهنا تظهر نقطة مهمة؛ فالإدريسي لم يكن مجرد رحالة بالمعنى التقليدي؛ لقد اعتمد على الرحلات السابقة، وعلى روايات التجار والبحارة والمسافرين، وعلى المعلومات التي جمعها من مصادر مختلفة، ثم أعاد تركيبها في صورة جغرافية واسعة، أي أن الاستكشاف لم يكن دائما أن يسافر العالم بنفسه؛ أحيانا كان الاستكشاف هو جمع شهادات آلاف المسافرين وتحويلها إلى معرفة واحدة.

وفي 1183م خرج محمد بن أحمد ابن جبير الأندلسي من الأندلس، في رحلة استمرت حتى 1185م، ليمر بمصر والحجاز والشام والعراق، وشاهد خلال رحلته آثارا سياسية ودينية وحضارية مهمة، كما مر بصقلية في طريق العودة، وكان كتابه في الرحلة واحدا من أهم كتب أدب الرحلات في العصور الوسطى، فابن جبير لم يسجل فقط المدن التي دخلها، بل وصف الطرق، والبحار، والمواني، والحياة اليومية، وأحوال المجتمعات، وهو ما جعل رحلته وثيقة تاريخية تتجاوز مجرد المغامرة الشخصية.

ثم جاء الرجل الذي أصبح اسمه مرادفا للرحلة.. ابن بطوطة، إذا كان هناك شخص واحد يمكن أن نضع اسمه عنوانا لعصر الرحلات الإسلامية، فهو أبو عبدالله محمد بن عبدالله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، خرج ابن بطوطة من طنجة عام 1325م لأداء الحج، وكان في الحادية والعشرين تقريبا من عمره، كان من المفترض أن تكون رحلة حج، لكن الرحلة لم تعد إلى نقطة البداية سريعا، تحولت الرحلة إلى مشروع عمر كامل، استمرت أسفاره نحو ثلاثة عقود، ووصل إلى مناطق واسعة من شمال إفريقيا ومصر وبلاد الشام والحجاز والعراق وفارس والأناضول وآسيا الوسطى والهند والمالديف وسريلانكا وجنوب شرق آسيا والصين ومناطق من إفريقيا.. وعاد إلى المغرب في منتصف القرن الرابع عشر، ثم أملى أخبار رحلاته، التي عرفت باسم "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".

لم يكن ابن بطوطة مستكشفا بالمعنى الحديث لكلمة "اكتشاف"، فمعظم المناطق التي زارها كانت مأهولة ومعروفة لشعوبها، لكن هذا لا يقلل من قيمة رحلته، فهو كان يستكشف العالم البشري؛ كيف يعيش الناس، ماذا يأكلون، كيف يحكمون، كيف يتعبدون، كيف يتاجرون، وكيف تختلف المجتمعات عن بعضها.. وهنا يجب التوقف أمام فكرة شديدة الأهمية؛ الاستكشاف لا يعني دائما اكتشاف أرض لم تطأها قدم بشرية، بل قد يعني اكتشاف عالم لم تعرفه أنت من قبل.

ونختتم بابن بطوطة، الذي لم يكن آخر المستكشفين كما يشاع، لكنه آخر وأشهر رموز عصر الرحلة الجغرافية الكبرى في الحضارة الإسلامية قبل أن يتغير شكل الاستكشاف العالمي بصورة جذرية.. وأشهر تلك الرحلات، عندما دخلت أوروبا عصرا جديدا من الرحلات البحرية الكبرى، وبدأت البرتغال وإسبانيا ثم قوى أوروبية أخرى إرسال رحلات بحرية منظمة بحثا عن طرق تجارية جديدة وثروات ومواني ونفوذ، ليصل كريستوفر كولومبوس إلى الأمريكتين عام 1492م، ودار أسطول ماجلان حول العالم بين 1519 و1522م، رغم أن ماجلان نفسه لم يكمل الرحلة بعد مقتله في الفلبين، ومع توسع الإمبراطوريات البحرية الأوروبية، أصبح الاستكشاف مرتبطا بصورة متزايدة بالقوة العسكرية والتجارة الاستعمارية والموارد.

تم نسخ الرابط