ذكرى وفاة الشيخ محمد الصيفي.. «أبو القراء» الذي جمع بين جمال الصوت وعلم القراءات
تحل اليوم الجمعة، 25 سبتمبر، ذكرى وفاة الشيخ محمد محمد الصيفي، أحد أعلام دولة التلاوة المصرية وأحد أبرز القراء الذين جمعوا بين جمال الصوت، وإتقان الأداء، والتبحر في علوم القرآن والقراءات.
ورحل الشيخ محمد الصيفي في 25 سبتمبر عام 1955، عن عمر ناهز 70 عامًا، بعد مسيرة طويلة قضاها في خدمة كتاب الله، قارئًا وعالمًا ومتخصصًا في القراءات، حتى ارتبط اسمه بلقب «أبو القراء»، وأصبح واحدًا من الأسماء البارزة في تاريخ التلاوة المصرية.
وُلد الشيخ محمد محمد الصيفي عام 1885 في قرية البرادعة التابعة لمركز قليوب بمحافظة القليوبية، ونشأ في بيئة ارتبطت بالقرآن الكريم وعلومه.
وألحقه والده بكُتّاب القرية، حيث بدأ رحلة حفظ كتاب الله في سن مبكرة، وتمكن من إتمام حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، ليبدأ منذ طفولته طريقًا طويلًا مع القرآن وعلومه.
ولم يتوقف طموح الشيخ الصغير عند حفظ القرآن، وإنما اتجه إلى طلب العلم والتوسع في دراسة علوم الشريعة والقراءات والتجويد، وهو ما أسهم لاحقًا في تكوين شخصيته العلمية التي ميزته عن كثير من قراء عصره.
الرحيل إلى القاهرة والالتحاق بالأزهر
في عام 1904، انتقل الشيخ محمد الصيفي إلى القاهرة، متجهًا إلى الأزهر الشريف، حيث تلقى العلوم الشرعية وعلوم القرآن والقراءات.
ودرس على أيدي عدد من علماء عصره، وتعمق في علوم التجويد والقراءات، إلى جانب دراسته الأكاديمية، حتى تخرج في كلية الشريعة والقانون عام 1910، ليجمع بين التأهيل الشرعي والعلمي وبين موهبة التلاوة.
وتشير مصادر أخرى إلى حصوله على العالمية من الأزهر الشريف عام 1911، وهي الدرجة العلمية التي كانت تمثل مكانة علمية رفيعة في ذلك الوقت.
«أبو القراء».. عالم في القراءات وقارئ من طراز خاص
لم يكن الشيخ محمد الصيفي مجرد صاحب صوت حسن، وإنما عُرف كذلك بعلمه الواسع في علوم القرآن والقراءات.
وبرع في أحكام التجويد والوقف والابتداء ومخارج الحروف، واشتهر بإتقانه للقراءات، حتى أصبح مرجعًا في هذا المجال بين أهل التلاوة، ولذلك ارتبط اسمه بلقب «أبو القراء».
كما وصفه الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، بأنه كان قارئًا عالمًا وخبيرًا بالقراءات، وكان متفقهًا في الدين ولغة القرآن وقراءاته العشر الكبرى.
وكان الشيخ الصيفي ينظر إلى التلاوة باعتبارها رسالة تتجاوز مجرد حسن الصوت، فكان يجمع في أدائه بين العلم والخشوع وفهم معاني الآيات، وهو ما منح تلاواته طابعًا مميزًا ظل حاضرًا في ذاكرة محبي دولة التلاوة.
مع انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، كان الشيخ محمد الصيفي من الرعيل الأول للقراء الذين اعتمدتهم الإذاعة، إلى جانب عدد من كبار أعلام التلاوة في ذلك العصر، ومن بينهم الشيخ محمد رفعت.
وكان انضمامه إلى الإذاعة محطة مهمة في انتشار صوته ووصول تلاواته إلى قطاع واسع من الجمهور المصري، قبل أن تتجاوز شهرته حدود مصر إلى الإذاعات العالمية.
وسجل الشيخ الصيفي عددًا من تلاواته للإذاعات الأجنبية، ومن بينها إذاعة لندن وإذاعة برلين وإذاعة موسكو، وهو ما يعكس حجم الانتشار الذي حققه صوت أحد أبرز قراء مصر في النصف الأول من القرن العشرين.
ارتبط اسم الشيخ محمد الصيفي بعدد من المساجد الكبرى في القاهرة، حيث بدأ قارئًا بمسجد السيدة فاطمة النبوية في العباسية.
ومع اتساع شهرته ومكانته بين القراء، انتقل لاحقًا إلى المسجد الحسيني، ليحل قارئًا للسورة خلفًا للشيخ علي محمود، وظل مرتبطًا بالمسجد حتى سنواته الأخيرة.
ومع تقدم العمر، ابتعد الشيخ الصيفي عن إحياء الليالي القرآنية، واكتفى في سنواته الأخيرة بقراءة سورة الكهف يوم الجمعة في المسجد الحسيني، وظل على ذلك حتى وفاته في سبتمبر عام 1955.
لم يقتصر حضور الشيخ محمد الصيفي على التلاوة في المساجد والإذاعة، وإنما كان له حضور بارز في العديد من المناسبات الدينية والوطنية، كما شارك في إحياء مآتم عدد من كبار الشخصيات في عصره.
وتذكر المصادر مشاركته في إحياء مأتم الزعيم الوطني سعد زغلول، إلى جانب مشاركته في مناسبات أخرى، وهو ما يعكس المكانة التي كان يحظى بها بين كبار القراء في ذلك الوقت.
امتدت أدوار الشيخ محمد الصيفي إلى ما هو أبعد من التلاوة، إذ تولى رئاسة رابطة تضامن القراء لسنوات، واهتم بالدفاع عن مصالح القراء ومتابعة شؤونهم.
وبذلك جمع بين دوره كقارئ وعالم في القراءات وبين دوره في خدمة أهل المهنة، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانته بين أبناء جيله من القراء.
قصة موقفه من التلاوة أمام الملك فاروق
ومن المواقف التي ارتبطت بسيرة الشيخ محمد الصيفي ما ذكره الدكتور علي جمعة بشأن رفضه التلاوة في القصر الملكي أمام الملك فاروق خلال شهر رمضان.
وبحسب ما رواه علي جمعة، كان الشيخ الصيفي يرى أن الذهاب إلى القصر للتلاوة قد ينتقص من كرامة القارئ، ولذلك كان يعتذر عن الحضور، مبررًا ذلك بأن حالته الصحية لا تسمح، مع الإشارة إلى إمكانية الاستماع إليه عبر الإذاعة.
ويكشف هذا الموقف جانبًا من شخصيته التي ارتبطت، وفق الروايات المنشورة عنه، بالتمسك بمكانة قارئ القرآن واعتباره صاحب رسالة علمية ودينية قبل أن يكون صاحب صوت مميز.
في 25 سبتمبر 1955، رحل الشيخ محمد محمد الصيفي عن عالمنا، بعد حياة امتدت لنحو سبعين عامًا، قضى جانبًا كبيرًا منها في خدمة القرآن الكريم وعلومه والقراءات والتجويد.
اقرأ أيضاً.. قمة ترامب وشي.. هل تصبح تايوان ورقة لفتح هرمز وإنهاء حرب إيران؟