أيمن مصطفى يكتب: السابلاير الكتير مش هيطلّعه مدير
قبل ما ابنك يدخل المدرسة تبدأ الحكاية قبل الدراسة نفسها بوقت طويل.
مش أول حاجة بنفكر فيها هيذاكر إيه؟ هيتعلم إيه؟ مين المدرس؟ وإيه اللي المدرسة هتضيفه لشخصيته؟
لأ…
أول حاجة بنفكر فيها غالبًا: الشنطة بكام؟ اللانش بوكس إيه؟ الجزمة براند إيه؟ والسابلاير ناقص منه إيه؟
شنطة جديدة ولانش بوكس وزجاجة مياه ومقلمة وأقلام بألوان وأشكال وكراسات وملابس وتريننج وجزمة وأدوات لكل مادة.
ولو المدرسة طلبت حاجة جديدة مفيش مشكلة نجيبها.
وممكن في الآخر نبص على كل اللي اشتريناه ونقول:
«هو ناقصه حاجة تاني؟»
وهنا السؤال اللي ممكن يكون ناقص فعلًا:
«هو داخل المدرسة علشان يتعلم إيه؟»
لأن الحكاية مش مجرد مستلزمات مدرسة.
الحكاية بقت أكبر من كده.
بقت مصاريف مدرسة وكتب وأنشطة وكورسات ودروس ومصاريف إضافية ومقارنات بين المدارس ومقارنات بين الأولاد.
وكل سنة تقريبًا فيه حاجة جديدة لازم نجيبها علشان مانحسش إن ابننا أقل من غيره.
والأب والأم في الحقيقة مش دايمًا بيعملوا ده علشان المنظرة.
بالعكس.
كتير منهم بيدفع وهو خايف.
خايف ابنه يتأخر عن غيره.
خايف يفوته شيء.
خايف يقول لنفسه بعد كام سنة: «يا ترى أنا قصرت معاه؟»
ومن هنا يبدأ سباق صعب جدًا.
كل ما ندفع أكتر نحس إننا عملنا أكتر.
مع إن التعليم مش بالضرورة بيتقاس بحجم الفاتورة.
إحنا جيل التسعينيات. كتير مننا دخل مدارس عادية جدًا.
حكومي أو تجريبي أو قومي أو مدارس خاصة. وكل مدرسة كانت ليها ظروفها وإمكانياتها.
كان فيه مدارس محترمة ومدرسين كويسين ومدرسين تانيين مش أوي زي أي زمن.
لكن وسط كل ده كان مفهوم التعليم نفسه أبسط.
شنطة وكتاب وكراسة وقلم وروح على المدرسة.
ماكانش عندنا كل الكم ده من الحاجات اللي لازم تكون موجودة علشان الطالب يحس إنه جاهز يبدأ السنة.
وكان اسم المدرسة مهم طبعًا لكن كان الأهم سمعتها في التعليم ومستوى المدرسين وشكل الطالب بعد ما يخرج منها.
دلوقتي أحيانًا بنقع في فخ غريب.
نقيس جودة التعليم بعدد الحاجات اللي حوالين الطفل.
كل حاجة لازم تكون أحدث.
كل نشاط لازم يتجرب.
كل كورس ممكن يكون مفيد.
كل أداة ممكن تكون «مهمة».
وكل سنة لازم يكون فيه Upgrade جديد.
لحد ما الموضوع يوصل لمرحلة إنك تبص على كمية الـ«سابلاير» وتقول:
هو داخل يتعلم ولا داخل يجهز فرع صغير من مول؟!
والحقيقة إن مشكلتنا مش مع الشنطة الجديدة ولا اللانش بوكس ولا البراند.
خلي ابنك يفرح بحاجته الجديدة.
وخليه يختار لون الشنطة اللي بيحبه.
وخليه يحس إن بداية الدراسة مناسبة جميلة.
المشكلة تبدأ لما تتحول الأدوات من وسيلة إلى مقياس.
لما نفتكر إن الطالب اللي معاه أكتر فرصته في النجاح أكبر.
لما نتصور إن المدرسة الأغلى بالضرورة هتطلع الإنسان الأفضل.
ولما ننسى إن الطفل ممكن يكون عنده أغلى الأدوات لكنه مش عارف يفتح كتاب ويقرأه بفهم.
مش عارف يسأل.
مش عارف يناقش.
مش عارف يتحمل مسؤولية.
مش عارف يتصرف لما يقابل مشكلة.
وهنا بقى لازم نسأل نفسنا:
إحنا بندفع فلوسنا في إيه بالضبط؟
هل بندفع علشان ابننا يتعلم؟
ولا بندفع أحيانًا علشان نطمن نفسنا إنه ماشي مع الناس؟
لأن التعليم الحقيقي مش عدد الأقلام في المقلمة.
التعليم الحقيقي إن ابنك يتعلم يفكر.
إنه يعرف يسأل «ليه؟»
يعرف يختلف من غير ما يقل أدبه.
يعرف يسمع رأي غيره.
يعرف يعترف إنه غلط.
يعرف يحاول مرة واتنين وتلاتة.
يعرف يقرأ.
يعرف يبحث.
يعرف يحل مشكلة بدل ما يستنى حد يحلها له.
ويعرف يتحمل نتيجة قراره.
دي الحاجات اللي بتبني شخصية.
ودي الحاجات اللي ممكن بعد سنين تخلي الإنسان قادر يقود فريق أو ينجح في شغله أو يبدأ مشروع أو يكون أب وأم كويسين.
مش عدد الشنط.
ولا سعر الجزمة.
ولا عدد الشهادات اللي متعلقة على الحيطة.
وعشان نكون منصفين المدارس والجامعات كمان عليها دور.
مش كل تطوير لازم يتحول إلى بند جديد في المصروفات.
ومش كل نشاط جديد لازم يبقى إجباري.
ومش كل أداة حديثة معناها تعليم أفضل.
التكنولوجيا مهمة والأنشطة مهمة والتطوير مهم جدًا.
لكن لازم يفضل السؤال الأساسي موجود:
هل ده فعلًا بيضيف للطالب؟
وفي البيت كمان يمكن نحتاج نغير شوية من أولوياتنا.
بدل ما نشتري حاجة جديدة كل أسبوع ممكن نجيب كتاب.
بدل ما نملأ جدول الطفل كورسات نسيب له وقت يلعب ويتحرك ويكتشف نفسه.
بدل ما نقعد نراجع معاه كل درجاته نسأله أحيانًا:
«إنت اتعلمت إيه النهارده؟»
مش «جبت كام؟»
نسأله عن رأيه.
نسمع مشاكله.
نسيبه يحاول.
نخليه يغلط في حاجات بسيطة ويتعلم.
لأن يمكن أغلى حاجة ممكن نقدمها لابننا مش موجودة أصلًا في أي محل مستلزمات مدرسية.
وقتنا.
والأهم إننا نفتكر إن المدرسة مش مصنع شهادات والجامعة مش محطة للحصول على ورقة.
إحنا بنبني إنسان.
والإنسان اللي هيخرج للحياة محتاج أكتر بكتير من شنطة مليانة سابلاير.
محتاج عقل يعرف يفكر.
وشخصية تعرف تتحمل.
وقلب يعرف يتعامل مع الناس.
وقدرة على التعلم حتى بعد ما يخلص المدرسة والجامعة.
يمكن علشان كده قبل ما نسأل السنة دي:
«هنجيب له إيه؟»
نسأل الأول:
«هنعلّمه إيه؟»
لأن الحياة لما تستقبل أولادنا بعد المدرسة والجامعة مش هتسألهم الشنطة كانت بكام.
ولا اللانش بوكس كان براند إيه.
ولا كان معاهم كام قلم.
ولا حتى دفعوا كام في المصاريف.
الحياة هتسأل سؤالًا أبسط وأصعب:
تعرف تفكر؟
تعرف تتحمل المسؤولية؟
تعرف تواجه مشكلة؟
تعرف تتعلم من غلطك؟
وساعتها هنكتشف إن فيه حاجات كتير دفعنا فيها فلوس وحاجات تانية أهم بكتير كان لازم ندفع فيها وقت.
وعلشان كده:
السابلاير الكتير مش هيطلّعه مدير.
والبراند الغالي مش هيطلّعه ناجح.
والمدرسة الأغلى مش ضمان لمستقبله.
لكن التعليم الحقيقي والتربية والفضول والمسؤولية والقدرة على التفكير… دول اللي ممكن يجهزوا ابننا فعلًا للحياة.
يمكن إحنا مش محتاجين نشتري لأولادنا حاجات أكتر.
يمكن محتاجين نديهم معنى أكتر.