مصر ترسم خريطة الربط الكهربائي مع 3 قارات.. القاهرة تتحول إلى محور إقليمي لتجارة الطاقة
تتجه مصر إلى ترسيخ موقعها كمحور إقليمي لتبادل وتجارة الكهرباء بين ثلاث قارات، هي إفريقيا وآسيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد، ومن شبكة متنامية من مشروعات الربط الكهربائي التي تمتد في اتجاهات متعددة، بما يدعم أمن الطاقة ويفتح المجال أمام تبادل فائض الكهرباء والاستفادة من القدرات المتاحة بين الدول.
وتتحرك القاهرة في هذا الملف عبر مجموعة من المشروعات التي تربطها بدول الجوار، إلى جانب مشروعات أخرى تستهدف الوصول إلى أسواق الطاقة الأوروبية، بما يعكس توجهًا تدريجيًا لتحويل الربط الكهربائي من مجرد وسيلة لدعم الشبكات المحلية إلى بنية أساسية لتجارة الطاقة على المستوى الإقليمي والدولي.
وفي مقدمة هذه المشروعات يأتي مشروع الربط الكهربائي بين مصر والمملكة العربية السعودية، الذي تستعد الدولتان للتشغيل الرسمي له بعد استكمال مراحل الاختبارات الفنية والتشغيلية بين الشبكتين.
وتبلغ قدرة مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي نحو 3000 ميجاوات، فيما وصلت استثماراته إلى نحو 1.8 مليار دولار، ليكون أحد أكبر مشروعات الربط الكهربائي من نوعه في المنطقة، ونواة لمنظومة أوسع يمكن أن تدعم الربط الكهربائي وتبادل الطاقة بين عدد من الدول العربية.
ولا تقتصر أهمية المشروع على كونه وسيلة لنقل الكهرباء بين مصر والسعودية، وإنما يوفر لمصر بوابة مباشرة إلى منظومة الكهرباء في دول الخليج، كما يدعم بناء بنية أساسية أوسع لتجارة الكهرباء بين الدول العربية.
ويربط المشروع بين منظومتين من أكبر منظومات الكهرباء في العالم العربي، بما يتيح تبادل فائض التوليد والاستفادة من الموارد المتاحة لدى كل شبكة خلال الفترات التي تشهد اختلافًا في معدلات الطلب والاستهلاك.
وتبرز أهمية مشروع الربط المصري السعودي بصورة أكبر في ظل اختلاف توقيتات ذروة استهلاك الكهرباء بين البلدين، وهو ما يسمح بتبادل الطاقة بصورة أكثر مرونة وفقًا لاحتياجات كل شبكة.
فبدلًا من الاعتماد بصورة كاملة على إنشاء محطات توليد جديدة لتغطية ساعات الذروة المحدودة، يمكن الاستفادة من الكهرباء المتاحة في إحدى الشبكتين خلال الفترات التي يرتفع فيها الطلب في الشبكة الأخرى.
ومن شأن هذا النمط من تبادل الطاقة أن يسهم في تحسين إدارة الأحمال، ورفع كفاءة تشغيل منظومات الكهرباء، وتقليل الحاجة إلى إنشاء قدرات توليد إضافية مخصصة فقط لمواجهة فترات الذروة، إلى جانب دعم خطط البلدين للتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.
ويمتد مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي لمسافة تقارب 1350 كيلومترًا، ويعتمد على تقنية التيار المستمر عالي الجهد بجهد 500 كيلوفولت.
ويتكون مسار الربط من خطوط هوائية وكابلات بحرية، ويربط محطة بدر في مصر بمحطتي شرق المدينة المنورة وتبوك في السعودية، بما يتيح نقل كميات كبيرة من الكهرباء بين الشبكتين وفقًا لاحتياجات التشغيل.
ويمثل الاعتماد على هذه البنية الفنية خطوة مهمة في تعزيز قدرة البلدين على إدارة عمليات تبادل الكهرباء، ورفع مرونة الشبكتين في التعامل مع تغيرات الطلب والإنتاج.
وتستند الرؤية المصرية في مشروعات الربط الكهربائي إلى موقع البلاد عند نقطة التقاء ثلاث دوائر جغرافية رئيسية، هي إفريقيا وآسيا وأوروبا.
وتسعى القاهرة إلى توظيف هذا الموقع عبر بناء شبكة متزايدة من خطوط الربط مع الدول المجاورة والأسواق الإقليمية، بما يتيح تنويع مسارات تبادل الكهرباء، ويقلل الاعتماد على حلول منفردة لتغطية الطلب خلال فترات الذروة.
وتشمل خريطة التحرك المصرية مشروعات وتوجهات للربط مع دول عربية وإفريقية، إلى جانب مشروعات تستهدف الوصول إلى أوروبا، الأمر الذي يضع الربط الكهربائي ضمن رؤية أوسع لتبادل الطاقة واستغلال فائض القدرات ودمج مصادر الطاقة المتجددة في أسواق كهرباء أوسع.
ولا تقتصر التحركات المصرية على الاتجاه الشرقي، إذ تمتد شبكة الربط جنوبًا نحو السودان.
وفي هذا الإطار، رفعت مصر قدرة الربط الكهربائي مع السودان إلى 75 ميجاوات، ضمن خطة تدريجية تستهدف الوصول إلى 300 ميجاوات، ثم إلى 1000 ميجاوات في مراحل لاحقة.
ويأتي ذلك في إطار دعم استقرار إمدادات الكهرباء في المناطق الواقعة جنوب الحدود، والاستفادة من الربط الكهربائي في تلبية احتياجات القطاعات المختلفة، وفي مقدمتها القطاعان السكني والزراعي.
وعلى الجانب الغربي، تتحرك مصر لتعزيز الربط الكهربائي مع ليبيا، من خلال التخطيط لمد خط جديد باستثمارات تقارب 10 مليارات جنيه، بما يستهدف زيادة قدرات تبادل الكهرباء بين الشبكتين وتعزيز التعاون في مجال الطاقة بين البلدين.
ويمثل هذا المسار جزءًا من التحرك المصري لتوسيع شبكة الربط الكهربائي مع دول الجوار، بما يتيح مستقبلاً زيادة حركة تبادل الطاقة والاستفادة من القدرات الكهربائية المتاحة على جانبي الحدود.
وفي الاتجاه الشرقي أيضًا، لا تتوقف منظومة الربط عند الحدود السعودية، إذ يجري بحث توسيع الربط الكهربائي مع الأردن، بما يمكن أن يفتح المجال أمام استخدام هذا المسار كطريق لنقل الكهرباء إلى دول أخرى في المنطقة.
وتشمل التصورات المطروحة إمكانية أن يصبح الربط مع الأردن بوابة لنقل الكهرباء إلى العراق وسوريا ولبنان في مراحل لاحقة، بما يوسع نطاق شبكة الربط المصرية والعربية، ويدعم فرص تكوين سوق إقليمية أكثر اتساعًا لتبادل الكهرباء.
وتتمثل الفائدة المباشرة لمشروعات الربط الكهربائي في رفع موثوقية الشبكات ومنح مشغليها مرونة أكبر في إدارة عمليات التوليد والاستهلاك.
فبدلًا من بناء قدرات توليد جديدة خصيصًا لتغطية ساعات الذروة التي قد تكون محدودة زمنيًا، تتيح خطوط الربط للدول تبادل الكهرباء وفقًا لاحتياجات كل شبكة وتوقيتات ارتفاع الاستهلاك لديها.
ولا تتوقف الفوائد عند الجوانب التشغيلية، إذ يمكن لمشروعات الربط على المدى الأبعد أن توفر البنية الأساسية اللازمة لإنشاء سوق إقليمية لتجارة الكهرباء، بما يسمح بتبادل الطاقة بين الدول، وتحسين الاستفادة من محطات التوليد، وتقليل الحاجة إلى استثمارات منفصلة لمواجهة الأحمال القصوى.
كما يمكن أن تسهم هذه الشبكات في دعم التوسع في الطاقة المتجددة، من خلال إتاحة أسواق أوسع للكهرباء المنتجة من مصادر مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وعلى الصعيد القاري، تمضي مصر في مشروع الربط الكهربائي مع اليونان، الذي يستهدف نقل الطاقة النظيفة إلى القارة الأوروبية.
وتصل القدرة المستهدفة للمشروع إلى 3 جيجاوات، مع توقعات بتشغيله بحلول عام 2031، فيما تقدر الاستثمارات بنحو 4 مليارات يورو.
وتواصل الجهات المعنية حاليًا تنفيذ الدراسات البيئية وأعمال المسح البحري لمسار الكابل، على أن تكتمل هذه الأعمال بحلول مايو 2028، تمهيدًا لطرح مناقصات التنفيذ.
ويفتح المشروع مسارًا مباشرًا أمام مصر للوصول إلى سوق الكهرباء الأوروبية، خاصة مع التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يمنح الربط الكهربائي بعدًا يتجاوز التعاون الثنائي إلى دعم حركة الطاقة بين قارتي إفريقيا وأوروبا.
ويمثل مشروع الربط الكهربائي مع السعودية محورًا شرقيًا في شبكة الربط التي تسعى مصر إلى تطويرها، بينما يفتح مشروع الربط مع أوروبا مسارًا مختلفًا لتصدير الكهرباء، لا سيما الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة.
وبذلك تتشكل تدريجيًا منظومة متعددة الاتجاهات يمكن لمصر من خلالها الاستفادة من موقعها الجغرافي في الربط بين أسواق الكهرباء في القارات الثلاث، مع تنويع مسارات نقل الطاقة والاستفادة من اختلاف أوقات الطلب بين الأسواق المختلفة.
ويمنح هذا التوسع مصر قدرة أكبر على إدارة تدفقات الكهرباء إقليميًا، كما يوفر لها بنية تحتية وخبرة تشغيلية يمكن البناء عليها في مشروعات ربط مستقبلية.
ويعزز التشغيل الكامل لمشروع الربط الكهربائي مع السعودية التوجه المصري نحو بناء شبكة إقليمية واسعة لتبادل الكهرباء، إذ يرفع قدرة القاهرة على إدارة تدفقات الطاقة مع دول المنطقة، ويدعم الاستفادة من اختلاف أوقات الذروة بين الشبكات.
كما يوفر المشروع قاعدة فنية واستثمارية يمكن الاستناد إليها في التوسع بمشروعات ربط أخرى، سواء مع الدول العربية والإفريقية أو مع الأسواق الأوروبية.
اقرأ أيضاً..
اكتشاف مقابر منحوتة في الصخر بـ«تل اليهودية» بالقليوبية.. تفاصيل الكشف الأثري الجديد