رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. نيفين وهدان تكتب: رحلتِ.. وما زلتِ تجلسين في الصف الأول

تفصيلة

بعيدًا عن ضجيج السياسة، وصخب الإعلام، وصرامة أروقة العمل، وبعيدًا عن الصورة المثالية التي يراها الناس على الشاشة، تسكن في العتمة حكاية أخرى.

​خمسة أشهر كاملة مرت على رحيل أمي، وأنا أقف مشدوهة بين حياتين: حياة سابقة كانت هي عمادها ووتدها، وحياة جديدة غريبة، أحاول كل يوم، بجهد مضنٍ، أن أتعلم كيف أطرق أبوابها من دونها.

​أصعب ما في الفقد أن العالم لا يتوقف ليرثي حزنك، تستمر الساعات في دقاتها، وتتوالى المواعيد والالتزامات والمحاضرات، وُيطلب منك أن تواصل أداء أدوارك بكفاءة، بينما تسير في أزقة الحياة بشيء مكسور في داخلك، يتوارى عن أعين الجميع ولا يراه أحد.

​أتذكر ذلك اليوم بألم حاد؛ وصلني نبأ رحيلها وأنا أجلس في منتصف مؤتمر علمي، أقف وسط أعضاء اللجنة لأعرض بحثًا بذلت فيه زهرة عمري، كان يفترض أن تكون تلك اللحظة تتويجًا علميًا أحتفل به، لكن في ثانية واحدة، انكسر الزمن وتغيّر وجه الكون، والأكثر إيلامًا لروحي أن هذا البحث نُشر بعد رحيلها.

​كم كنت أتمنى أن أركض إليها، أن أزف إليها الخبر، وأن أسمع صدى فرحتها البكر وهي تضمني. كنت أشتاق لنظرتها التي أعرفها عن ظهر قلب، ولتعليقاتها، بل وحتى لنقدها المعتاد الذي كنت أحبه حتى وهو يزعجني.

​لم تكن أمي مجرد مشجعة تتطلع إليّ من بعيد؛ كانت تتابع أدق تفاصيل حياتي، وتتأمل ظهوري الإعلامي بنظرة عين لا يملكها سواها. تلاحظ حركة يدي، ونبرة صدمتي، وهدوئي أمام الكاميرا. كانت ناقدتي الأولى والأقسى، لكنها كانت في الوقت ذاته الأكثر إيمانًا بي وبقدراتي.

​رحلت بعد أن كانت السند الحقيقي لي في كل محنة، كانت معي خطوة بخطوة في رحلة الدكتوراه، تحمل معي عبء طفلتيّ الصغيرتين، وتشد على يدي بعد رحيل أبي. كانت ترافقني في كل خطوة، وكأن وجودها الصامت رسالة أمل دائمة تقول: "أنا هنا.. أكملي طريقك ولا تخافي".

​أمي ليست مجرد ذكرى أكتبها في كلمات، بل هي جزء أصيل من تكويني، من نجاحاتي، ومن قدرتي على الصمود.

​منذ رحيلها، أعادت الحياة ترتيب أولوياتها في صدري. أدركت أن كثيراً من المعارك التي نسكب فيها من أعصابنا ووقتنا لا تساوي شيئًا أمام لحظة واحدة ندرك فيها أننا فقدنا شخصًا لن يعود. غيَّرني الفقد، فصرت أكثر امتنانًا لكل من يمد يده بالمحبة، وأكثر تقديرًا للكلمة الطيبة التي ترمم الروح. شكرًا لعائلتي الصغيرة، لزملائي، ولكل من منحني حاضنة من الصمت أو الكلمات في أشد أوقاتي ظلمة.

​لا أزعم أنني تجاوزت رحيلها، فمثلها لا يُتجاوز. لكنني أتعلم كل يوم كيف أحمل هذا الغياب في صدري وأمشي، سأعود إلى مدرجاتي، إلى طلابي، وإلى شاشاتي، وسأكمل كل ما بدأناه معًا. لكنني أعلم يقينًا أنه مهما اعتليتُ من منصات، سيظل في داخلي مقعد فارغ لا يشغله أحد غيرها.

​مقعد أمي.

​وفي كل مرة أقف فيها أمام الجمهور أو أواجه اختبارًا جديدًا، أشعر بطيفها يجلس في الصف الأول، يرمقني بابتسامتها المعهودة، وينتظر مني أن أكون بخير.

​أمي لم ترحل؛ لقد غابت عن العين، وسكنت في كل ما أنا عليه.

رحم الله أمهاتنا جميعًا، وحفظ من يحملن نور الحياة بيننا.

تم نسخ الرابط