في ذكرى رحيله.. محطات من مسيرة شيخ عموم المقارئ المصرية عبد الحكيم عبد اللطيف
تحل اليوم الأربعاء، الموافق 9 سبتمبر، ذكرى وفاة الشيخ عبدالحكيم عبد اللطيف، شيخ عموم المقارئ المصرية الأسبق، وأحد أبرز أعلام علم القراءات في العصر الحديث، الذي أفنى حياته في خدمة القرآن الكريم وعلومه، تعليمًا وتدريسًا وإقراءً، وترك وراءه إرثًا علميًا وصوتيًا بارزًا ظل حاضرًا في أوساط المتخصصين والقراء وطلاب العلم.
وارتبط اسم الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف على مدار عقود بعلم القراءات، وبالمؤسسة الأزهرية، وبجهود تعليم القرآن الكريم وضبط تلاوته وأدائه، حيث جمع بين التكوين الأزهري المتخصص، والخبرة الطويلة في التدريس والإقراء، والإمامة في عدد من المساجد الكبرى بالقاهرة، ليصبح واحدًا من الأسماء البارزة في هذا المجال.
وُلد الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف عام 1936م في حي الدمرداش بالقاهرة، ونشأ في أسرة قرآنية محبة لكتاب الله، الأمر الذي أسهم في ارتباطه المبكر بالقرآن الكريم وعلومه، ووجّه مسيرته منذ سنوات طفولته نحو حفظ كتاب الله والتخصص في علومه.
وفي سن مبكرة، استطاع الشيخ إتمام حفظ القرآن الكريم قبل بلوغه الثالثة عشرة من عمره، ليبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من حياته العلمية، لم تقتصر على حفظ القرآن وتلاوته، وإنما امتدت إلى التخصص في علوم التجويد والقراءات ودراسة أصول الأداء القرآني على أيدي كبار علماء الأزهر الشريف.
في عام 1950م، التحق الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف بمعهد القراءات التابع للأزهر الشريف، حيث بدأ رحلة علمية متخصصة في واحد من أدق علوم القرآن الكريم، وهو علم القراءات.
وخلال سنوات الدراسة، تلقى علوم التجويد والقراءات على أيدي عدد من كبار مشايخ الأزهر، وتدرج في مراحل التعليم المتخصصة، حتى برزت قدراته العلمية وتمكنه في هذا المجال، وعُرف بين أهل العلم بالدقة في الأداء، والحرص على ضبط الروايات، إلى جانب ما عُرف عنه من الورع والتواضع والجدية في طلب العلم وتعليمه.
ولم يكن علم القراءات بالنسبة إليه مجرد تخصص أكاديمي، بل أصبح مشروع حياة، سخّر له وقته وجهده، وظل حريصًا على نقله إلى الأجيال التالية وفق الضوابط العلمية المتوارثة في علوم القرآن.
كرّس الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف جانبًا كبيرًا من حياته لخدمة التعليم الأزهري، حيث عمل مدرسًا في المعاهد الأزهرية بمراحلها التعليمية المختلفة، وأسهم من خلال عمله في تعليم الطلاب القرآن الكريم وعلوم التجويد والقراءات.
وامتدت مسيرته التعليمية إلى المعهد العالي للقراءات، الذي مثّل محطة مهمة في حياته العلمية والمهنية، حيث واصل من خلاله نقل خبراته ومعارفه المتخصصة إلى طلاب العلم الراغبين في التعمق في علوم القراءات.
كما تولى الشيخ أعمال التفتيش على المعاهد الأزهرية، وهي مهمة تتطلب قدرًا كبيرًا من الخبرة العلمية والمعرفة بالمناهج وأساليب التعليم، وظل يؤدي أدواره في خدمة المؤسسة التعليمية الأزهرية حتى إحالته إلى التقاعد عام 1997م.
ورغم انتهاء خدمته الوظيفية بالتقاعد، لم تتوقف مسيرته في خدمة القرآن الكريم، إذ واصل أداء دوره العلمي في الإقراء والتعليم، وظل مرجعًا للعديد من طلاب العلم والقراء.
لم تقتصر رحلة الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف على التدريس والتخصص في علوم القراءات، بل امتدت إلى الإمامة في عدد من المساجد الكبرى بالقاهرة، حيث تقلد الإمامة في مسجد الهجيني بشبرا، كما تولى الإمامة في مسجد السيدة نفيسة، ومسجد السيدة سكينة، إضافة إلى الجامع الأزهر الشريف.
وقد أتاحت له هذه المواقع الدينية المهمة التواصل المباشر مع جمهور واسع من المسلمين، ونقل ما امتلكه من علم وخبرة في القرآن الكريم وعلومه إلى الناس من خلال التلاوة والإمامة والتعليم.
وكان وجوده في الجامع الأزهر الشريف، على وجه الخصوص، انعكاسًا لمكانته العلمية والقرآنية، إذ ظل الأزهر على مدار تاريخه أحد أهم المنارات التي احتضنت علوم القرآن والقراءات، وخرّجت أجيالًا من العلماء والقراء.
تُوّجت مسيرة الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف بتوليه منصب شيخ عموم المقارئ المصرية، ليصبح أحد أبرز المسؤولين عن هذا المجال المتخصص، وليواصل من خلال موقعه خدمة علم القراءات والإقراء في مصر.
وكانت المقارئ القرآنية تمثل مدرسة مهمة للحفاظ على سلامة التلاوة والأداء القرآني، ونقل القراءات والروايات وفق أصولها العلمية، وهو المجال الذي تميز فيه الشيخ على مدار سنوات طويلة.
وارتبط اسمه كذلك بتخريج أجيال من القراء والمتخصصين في علوم القرآن، سواء داخل مصر أو خارجها، حيث استفاد كثير من طلاب العلم من علمه وخبراته في مجال القراءات والتجويد.
إرث علمي وصوتي في خدمة القرآن
ترك الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف إرثًا متنوعًا في مجال القرآن الكريم وعلومه، إذ لم تقتصر جهوده على التدريس والإقراء، وإنما امتدت إلى التسجيلات القرآنية والبرامج الإذاعية والتسجيلات العلمية المتخصصة في القراءات.
كما قدّم ختمات قرآنية متعددة وفق روايات مختلفة، بما أسهم في حفظ جانب من تراث الأداء القرآني وإتاحته للدارسين والمهتمين بالقراءات.
وكانت هذه التسجيلات تمثل جانبًا مهمًا من مسيرته، خاصة أنها توثق أداءه القرآني وتبرز تمكنه من الروايات والقراءات التي تخصص فيها، إلى جانب ما تركه من مؤلفات وأعمال علمية خدمت علوم القرآن الكريم.
تميز الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف بكونه عالمًا ومقرئًا ومعلّمًا في الوقت نفسه، ولذلك لم تكن أهميته مرتبطة فقط بما قدمه من تسجيلات أو مؤلفات، وإنما بما تركه من تلاميذ وطلاب حملوا عنه العلم والخبرة، وواصلوا بدورهم مسيرة تعليم القرآن الكريم وعلوم القراءات.
وقد أسهمت سنواته الطويلة في التدريس والإقراء في تكوين جيل من المتخصصين الذين تلقوا علوم القرآن على أيدي أحد أبرز علماء القراءات في عصره، وهو ما جعل أثره العلمي يتجاوز سنوات حياته إلى أجيال لاحقة من القراء وطلاب العلم.
وبعد رحلة طويلة امتدت لنحو ثمانية عقود في خدمة القرآن الكريم وعلومه، انتقل الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف إلى رحمة الله تعالى مساء الجمعة 7 من ذي الحجة عام 1437هـ، الموافق 9 سبتمبر 2016م، عن عمر ناهز 80 عامًا.
اقرأ أيضاً..
بريطانيا وفرنسا وكندا تصعّد ضد إسرائيل.. حظر مرتقب لمنتجات المستوطنات بالضفة الغربية