رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

دراسة دكتوراه تكشف الفروق بين التصوف عند المحاسبي والقشيري

دراسة دكتوراه تكشف الفروق بين التصوف عند المحاسبي والقشيري

جانب من المناقشة
جانب من المناقشة

أكدت دراسة أكاديمية حديثة أهمية إحياء التراث الصوفي المعتدل، والاستفادة منه في تهذيب السلوك وبناء الإنسان والارتقاء بالقيم والأخلاق، مع ضرورة تصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بالتصوف، والتحذير من الغلو والانحراف عن المنهج القائم على الكتاب والسنة.

جاء ذلك في رسالة الدكتوراه التي أعدها الباحث السيد علي عباس عبد العال، الإمام والخطيب بمديرية أوقاف الشرقية، بعنوان «التصوف بين المحاسبي والقشيري – دراسة مقارنة»، والتي حصل من خلالها على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من معهد الدراسات الأفروآسيوية للدراسات العليا بجامعة قناة السويس، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.

وركزت الدراسة على المقارنة بين تجربتين بارزتين في تاريخ التصوف الإسلامي، هما تجربة الحارث المحاسبي وعبد الكريم بن هوازن القشيري، من خلال دراسة رؤيتهما للتجربة الصوفية والمقامات والأحوال، ورصد أوجه الاتفاق والاختلاف بين منهجيهما، وصولًا إلى إمكانية الإفادة من هذا التراث في التعامل مع بعض التحديات والمشكلات المعاصرة.

وأوضحت الدراسة أن اختلاف تعريفات التصوف عبر العصور يعود إلى تعدد الزوايا التي تناول العلماء من خلالها هذا المفهوم؛ فمنهم من نظر إليه باعتباره علمًا للأخلاق وتهذيبًا للسلوك، ومنهم من ركز على مجاهدة النفس وإصلاح القلب والسلوك، وهو ما انعكس بوضوح في منهج المحاسبي والقشيري.

وخلص الباحث إلى أن المحاسبي يمثل نموذجًا للصوفي السالك الذي انشغل بمحاسبة النفس وتحليلها وتهذيبها وإصلاح أعمال القلوب والسلوك، بينما يمثل القشيري نموذجًا للصوفي الفقيه الذي اهتم بتأصيل المفاهيم الصوفية وشرح مقامات السالكين وأحوالهم، مع ربط التصوف بالكتاب والسنة.

وأشارت النتائج إلى أن المحاسبي أسهم بصورة واضحة في وضع أسس التصوف السني، من خلال تركيزه على محاسبة النفس ومراقبتها، والنظر إلى التصوف باعتباره منهجًا متكاملًا للحياة، في حين تميز القشيري بالجمع بين التصوف والسنة، والربط بين الحقيقة والشريعة، فضلًا عن الدقة والاتزان في عرض المصطلحات والمفاهيم الصوفية.

وتكونت الرسالة من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ تناول التمهيد التعريف بالمحاسبي والقشيري من حيث النشأة والفكر والظروف التي عاصراها، فيما تناول الفصل الأول التجربة الصوفية عند كل منهما، وخصص الفصل الثاني لدراسة المقامات، بينما تناول الفصل الثالث الأحوال، مع إجراء مقارنات بين رؤى الإمامين ومناهجهما.

واعتمد الباحث في إعداد دراسته على مجموعة من المناهج العلمية، أبرزها المنهج الاستقرائي والوصفي والتحليلي والاستنباطي، في إطار منهج تكاملي يتناسب مع طبيعة الموضوع وأهداف الدراسة.

وأوصت الرسالة بضرورة العناية بتراث العلماء السابقين ودراسته وإبرازه، وبيان المنهج الصوفي الصحيح، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتربية النشء على الفكر الديني السليم، وتعزيز الصلة بالله تعالى، إلى جانب تحقيق ونشر مؤلفات المحاسبي والقشيري التي لا تزال في عداد المخطوطات.

كما دعت الدراسة إلى التوسع في البحوث العلمية التي تتناول التصوف المعتدل، والاستفادة من جوانبه التربوية والأخلاقية في مواجهة بعض مظاهر الخلل السلوكي، بما يسهم في بناء شخصية متوازنة تجمع بين سلامة الاعتقاد وتهذيب السلوك والارتقاء الأخلاقي.

وضمت لجنة الإشراف والمناقشة والحكم على الرسالة الأستاذ الدكتور صالح عطية صالح مطر، أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس، رئيسًا ومشرفًا، والأستاذ الدكتور ساري زين الدين مهدي، أستاذ الدعوة الإسلامية بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق، مناقشًا، والأستاذ الدكتور ناصر محمد السيد إسماعيل، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة، مشرفًا، والأستاذ الدكتور محمد لطفي صابر، أستاذ الدراسات الإسلامية والعقيدة والدعوة بمعهد الدراسات الأفروآسيوية بجامعة قناة السويس، مناقشًا.

وتبرز الدراسة في مجملها أن التصوف، في صورته المعتدلة، لا ينفصل عن إصلاح الإنسان؛ إذ تبدأ الرحلة من مراجعة النفس ومحاسبتها وتهذيبها، وتمتد إلى إصلاح السلوك وبناء الشخصية والارتقاء بالقيم، وهو ما يكشف عن مساحة مشتركة بين منهج المحاسبي والقشيري، رغم اختلاف أدوات كل منهما وطريقة عرضه للتجربة الصوفية.
 

تم نسخ الرابط