وزير الأوقاف يحذر من تأثير الذكاء الاصطناعي والإعلام ويؤكد ثوابت مصر تجاه فلسطين
أكد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن الأسرة تمثل الأساس الذي تقوم عليه مختلف مؤسسات المجتمع، والحصن الأول للهوية والقيم، مشددًا على أن حماية الأسرة والحفاظ على تماسكها أصبحا ضرورة ملحة في ظل التحولات الكبرى والمتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تحديات متزايدة على منظومة القيم وبناء الإنسان.
جاء ذلك خلال كلمة وزير الأوقاف في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر دار الإفتاء المصرية العالمي الحادي عشر، الذي ينعقد تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، وذلك نيابة عن رئيس مجلس الوزراء.
وأشار الأزهري إلى أهمية انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت، الذي يتزامن مع شهر ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن هذه المناسبة تمثل فرصة لاستحضار الهدي النبوي في بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، لاسيما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله».
وأوضح وزير الأوقاف أن حسن معاملة الأسرة ورعايتها والقيام بحقوق أفرادها تمثل أحد أبرز معالم المنهج النبوي في بناء الإنسان وصيانة المجتمع، لافتًا إلى أن استحضار هذه القيم يصبح أكثر أهمية في ظل التحولات المتلاحقة التي يشهدها العالم، والتي تفرض تحديات جديدة على الأسرة وتختبر قدرتها على الحفاظ على تماسكها وأدوارها التربوية والاجتماعية.
وأوضح وزير الأوقاف أن عملية بناء الإنسان ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي عملية متكاملة تشترك فيها مجموعة من المنافذ والمؤسسات الكبرى، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والشارع، حيث يؤدي كل منها دورًا متصلًا ومتكاملًا في تشكيل شخصية الإنسان وصياغة وعيه ومنظومته القيمية.
وأكد أن الأسرة تأتي في مقدمة هذه المؤسسات باعتبارها الوعاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان، ومنها يتلقى أولى معاني الأمان والانتماء والمسؤولية والقيم والأخلاق، مشددًا على أن الأسرة تحتاج بصورة مستمرة إلى الإحاطة بالعلم والتعاون والتضافر من أجل حمايتها من التشويش والاضطراب.
وأشار إلى أن بعض التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم تستهدف، في بعض صورها، منظومة القيم والهوية، الأمر الذي يجعل الحفاظ على تماسك الأسرة وتعزيز قدرتها على أداء دورها التربوي والإنساني ضرورة أساسية.
وحذر من أن غياب الرعاية الأسرية أو تراجع أحد الوالدين عن القيام بدوره، سواء نتيجة الانشغال المستمر أو التخلي عن المسؤولية، يمكن أن يترك آثارًا عميقة في تكوين الإنسان وشخصيته، مؤكدًا أن الأسرة لا تؤدي دورًا عاطفيًا فقط، وإنما تضطلع بمهمة أساسية في تشكيل الوعي وبناء السلوك وترسيخ القيم.
وتطرق وزير الأوقاف إلى دور المدرسة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لما تبدأه الأسرة من عملية بناء للإنسان، موضحًا أن مؤسسات التعليم بمختلف مراحلها، من المدارس والمعاهد إلى الجامعات، تضطلع بدور مهم في استكمال عملية البناء المعرفي والقيمي.
وأكد أن وظيفة المؤسسات التعليمية تتكامل مع دور الأسرة والمسجد، من خلال ترسيخ المعرفة الصحيحة، وبناء الشخصية المتوازنة، وتعزيز القيم والأخلاق التي تساعد الإنسان على التعامل مع ذاته ومجتمعه بصورة رشيدة.
كما أشار إلى الدور الذي يقوم به المسجد في هذه المنظومة المتكاملة، من خلال تقديم خطاب ديني يهدي الإنسان إلى سواء السبيل، ويعمر وجدانه بالمعاني الإيمانية الصحيحة، ويحميه من التطرف والشطط والانحراف.
وشدد على أن هذا الدور لا ينفصل عن مسؤولية المؤسسات الدينية والمجتمعية في حماية الوعي العام، وترسيخ قيم الاعتدال والرحمة والتعايش، والحفاظ على الهوية من محاولات التشويه أو الاختزال.
وتناول الأزهري كذلك دور الشارع باعتباره المجال الأوسع الذي يحتك فيه الإنسان بالمجتمع منذ خروجه من منزله وحتى عودته إليه، موضحًا أن هذا المجال يمكن أن يمثل امتدادًا لما قامت به الأسرة والمدرسة والمسجد من بناء قيمي، إذا كان المجتمع قائمًا على الرشد والانضباط وحسن التعامل.
وفي المقابل، حذر من أن الشارع يمكن أن يتحول إلى مصدر للتشويش والتغيير إذا غابت عنه القيم التي تضبط السلوك والعلاقات بين أفراد المجتمع.
واستحضر وزير الأوقاف في هذا السياق التوجيه النبوي: «أعطوا الطريق حقه»، وما يتضمنه من آداب تنظم علاقة الإنسان بالآخرين في المجال العام، ومنها إفشاء السلام، وتشميت العاطس، ورد التحية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن التعامل، وإغاثة المحتاج، والإكثار من ذكر الله.
وأوضح أن هذه التوجيهات تؤكد أن عملية بناء الإنسان لا تتوقف عند حدود المنزل أو المدرسة أو المسجد، وإنما تمتد إلى كل مجال يتحرك فيه الإنسان ويتفاعل من خلاله مع الآخرين.
وحذر وزير الأوقاف من التأثير المتزايد للإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل الوعي وبناء الأسرة، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية أصبحت من أبرز المنافذ القادرة على التأثير في الوجدان والسلوك والتصورات المتعلقة بالأسرة والعلاقات الإنسانية.
وأوضح، أن هذا التأثير يمكن أن يكون إيجابيًا عندما توظف وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة في نشر القيم وتعزيز الاستقرار الأسري وترسيخ المفاهيم الصحيحة، لكنه قد يتحول في المقابل إلى مصدر للتشويش والاضطراب ونشر العنف وتغيير المفاهيم إذا غابت المسؤولية عن صناعة المحتوى.
وشدد على أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تفرض على الأسرة مزيدًا من الوعي والقدرة على التماسك، حتى تتمكن من التعامل مع المؤثرات الجديدة التي أصبحت تصل إلى الأبناء بصورة متواصلة، مؤكدًا أن حماية الأسرة في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على توفير الرعاية التقليدية، وإنما تتطلب وعيًا جديدًا بطبيعة البيئة الإعلامية والتكنولوجية المحيطة بها.
الأسرة «مؤسسة المؤسسات» وحمايتها مسؤولية المجتمع بأكمله
وأكد الأزهري أن الأسرة تظل الرحم الذي يحتضن الإنسان، والمؤسسة التي تقوم على الرعاية والتعهد المستمر والملاحظة الدائمة لما يطرأ على أفرادها من تغيرات، وهو ما يجعلها قادرة على اكتشاف مظاهر الاعوجاج في بدايتها والتعامل معها قبل أن تستفحل.
ووصف الأسرة بأنها «مؤسسة المؤسسات» و«عرين الإنسان وموضع سكينته»، مؤكدًا أنه إذا اشتدت بها الخطوب وتعرضت لخطر التفكك، فإن الأمر يصبح مسؤولية المجتمع بأسره، بما يقتضي سرعة التحرك لحمايتها ودعمها وتوفير ما تحتاج إليه من تشريع وتوعية ومساندة.
وشدد على أن مواجهة التحديات الأسرية لا يمكن أن تكون مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما تحتاج إلى تكامل حقيقي بين المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية والمجتمعية، في إطار رؤية مشتركة تستهدف حماية الأسرة وتعزيز استقرارها وصيانة الهوية.
وشدد وزير الأوقاف على أهمية العمل المشترك في مواجهة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، مؤكدًا أن قضية حماية الأسرة تمثل واحدة من القضايا الأساسية التي يضعها المؤتمر على دائرة التفكير والبحث والنقاش، من خلال مقاربة إفتائية تستهدف استشراف مستقبل الأسرة وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التحديات المتغيرة.
وأشار إلى أن المؤسسات الدينية المصرية تعمل في إطار من التكامل والتعاون من أجل أداء رسالتها في نشر العلم النافع وخدمة الإنسان، مؤكدًا أن وزارة الأوقاف، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية، ونقابة الأشراف، ودار الإفتاء المصرية، تقف صفًا واحدًا خلف الأزهر الشريف وشيخه، من أجل حمل رسالة العلم النافع للبشرية والتجرد لخدمة الدين والوطن.
وأضاف، أن هذه المؤسسات تعمل على نقل أنوار الإسلام وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم إلى العالمين، بما يعزز قيم الرحمة والاعتدال والتعايش، ويدعم قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية والاجتماعية المتسارعة.
اقرأ أيضًا.. هل الحسد يقتل؟.. علماء يحسمون الجدل حول علاقة العين بالوفاة ويحذرون من هذا الأمر