رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. سلوى ذكي تكتب: ماذا لو وصل اللهب إلينا؟

تفصيلة

من حرائق الجزائر إلى التكنولوجيا الصينية.. هل تبني مصر اقتصادًا يسبق الكارثة؟

ماذا لو استيقظنا يومًا على دخان يملأ السماء؟

ماذا لو تحولت موجة حر إلى حرائق، وتحولت أمطار غزيرة إلى سيول، وتحولت أزمة مناخية إلى خسائر بمليارات الجنيهات؟

 

قد تبدو حرائق الجزائر بعيدة عنا، وقد تبدو الكوارث التي نشاهدها يوميًا مجرد مشاهد عابرة على شاشات الأخبار، لكن الحقيقة أن العالم دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الكوارث الطبيعية مجرد أحداث استثنائية.

الكارثة أصبحت جزءًا من الحسابات الاقتصادية للدول.

وفي الوقت الذي كانت فيه النيران تلتهم مساحات من الطبيعة وتستدعي حالة استنفار لمواجهة آثارها، كان هناك مشهد آخر لا يقل أهمية يجري على الأرض المصرية: توجه نحو تعميق التعاون مع واحدة من أكبر القوى التكنولوجية في العالم، الصين، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر، وهي الأولى له منذ نحو عقد، في توقيت تتجه فيه العلاقات بين القاهرة وبكين إلى آفاق اقتصادية وتكنولوجية أوسع.

وهنا يظهر سؤال مختلف:

هل يمكن أن تتحول التكنولوجيا إلى رجل إطفاء يصل قبل اشتعال الحريق؟

الكارثة لم تعد طبيعية فقط.. بل أصبحت فاتورة اقتصادية

عندما تحترق غابة، لا تحترق الأشجار وحدها.

هناك أراضٍ زراعية تتضرر، ومنازل تتعرض للخطر، وطرق تُغلق، وسياحة تتراجع، واستثمارات تتأثر، ودولة تجد نفسها مضطرة لإنفاق أموال ضخمة لمعالجة آثار ما حدث.

ولهذا لم يعد السؤال:

كم ستكلفنا الكارثة؟

بل أصبح السؤال الأذكى:

كم كان يمكن أن نوفر لو توقعناها قبل وقوعها؟

وهنا يولد مفهوم جديد يجب أن يدخل بقوة إلى الفكر الاقتصادي المصري:

اقتصاد الوقاية

اقتصاد لا ينتظر الحريق حتى يشتري سيارة إطفاء.

ولا ينتظر السيول حتى يبدأ في إصلاح الطرق.

ولا ينتظر انهيار البنية التحتية حتى يبحث عن حلول.

إنه اقتصاد يستخدم البيانات والذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار ليعرف أين يمكن أن تحدث الأزمة قبل أن تتحول إلى كارثة.

وهنا تحديدًا يمكن أن تصبح الشراكة المصرية الصينية أكثر من مجرد اتفاقيات تجارية.

ماذا لو أصبحت التكنولوجيا الصينية عينًا استباقية لمصر؟

الصين اليوم ليست فقط مصنع العالم.

إنها واحدة من أكبر القوى في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، وتحليل البيانات، والمدن الذكية، والاتصالات الحديثة.

ومع اتجاه العلاقات المصرية الصينية إلى توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، يمكن أن تظهر فرصة مختلفة تمامًا أمام مصر: توطين التكنولوجيا التي تحمي الاقتصاد قبل أن تعالج خسائره. وتشير التغطيات المرتبطة بالزيارة الحالية إلى أن التكنولوجيا والاستثمار والتصنيع من الملفات الرئيسية المطروحة لتوسيع الشراكة بين البلدين.
تخيلوا مثلًا:
طائرات مسيّرة تراقب المناطق المعرضة للحرائق.
أقمار صناعية ترصد ارتفاع درجات الحرارة والجفاف.
ذكاء اصطناعي يتنبأ بمسارات السيول.
كاميرات حرارية تكتشف بداية الحريق قبل أن ينتشر.
أنظمة إنذار مبكر ترسل تحذيرات للمواطنين على هواتفهم.
مدن ذكية تستطيع قياس المخاطر لحظة بلحظة.
هذا ليس فيلمًا عن المستقبل.
هذا هو الاقتصاد الذي بدأ العالم يبنيه بالفعل.
مصر والصين.. من التجارة إلى صناعة الأمان
العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين تمتد لعقود، لكن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على زيادة حجم التجارة أو إنشاء مصانع جديدة.
الفرصة الأكبر هي:
نقل المعرفة.
لأن مصر لا تحتاج فقط إلى استيراد التكنولوجيا.
بل تحتاج إلى أن تتعلم كيف تصنعها.
وهنا يمكن أن تتحول الاتفاقيات الجديدة إلى برامج عملية لإنشاء مراكز مصرية صينية للذكاء الاصطناعي وإدارة الكوارث، وتدريب الكوادر المصرية، وتطوير أنظمة محلية تناسب طبيعة مصر الجغرافية والمناخية.
فمصر لديها تحديات مختلفة.
هناك السيول في جنوب سيناء والصعيد.
وهناك التغيرات الساحلية في الإسكندرية والدلتا.
وهناك موجات الحرارة.
وهناك الضغوط على الموارد المائية والزراعية.
وهناك أيضًا مخاطر الحرائق في المناطق الزراعية والصناعية.
ولذلك نحن لا نحتاج إلى حلول مستوردة كما هي.
نحن نحتاج إلى تكنولوجيا تُصنع خصيصًا للمشكلة المصرية.
الإسكندرية.. هل تصبح أول مدينة ذكية لمواجهة الكوارث؟
تخيلوا مدينة مثل الإسكندرية.
مدينة ساحلية يعيش فيها الملايين، ولديها تاريخ طويل مع الأمطار الغزيرة والنوات والتغيرات المناخية.
ماذا لو أصبحت الإسكندرية نموذجًا مصريًا للتعاون التكنولوجي؟
شبكة من أجهزة الاستشعار.
خرائط رقمية للمناطق الأكثر عرضة للخطر.
ذكاء اصطناعي يتوقع تجمعات المياه.
طائرات مسيرة تراقب المناطق الحيوية.
نظام مركزي يربط الأحياء والحماية المدنية والأرصاد وشركات المياه والكهرباء.
هنا لن نكون أمام مجرد «مدينة ذكية».
بل أمام مدينة تعرف الخطر قبل أن يصل إليها.
وهذا في حد ذاته مشروع اقتصادي.
لأنه يحمي الأرواح.
ويقلل الخسائر.
ويحافظ على الاستثمارات.
ويجذب الشركات.
ويخلق صناعة جديدة بالكامل.
التكنولوجيا ليست رفاهية
ربما كان العالم في الماضي يعتبر التكنولوجيا رفاهية.
أما اليوم فهي جزء من الأمن القومي والاقتصادي.
فالدولة التي تستطيع توقع الأزمة تستطيع حماية اقتصادها.
والدولة التي تملك البيانات تستطيع اتخاذ القرار الصحيح.
والدولة التي توطن التكنولوجيا لا تبقى أسيرة انتظار الحلول من الخارج.
ولهذا فإن التعاون مع الصين في هذه المرحلة يمكن أن يكون فرصة لمصر ليس فقط للحصول على استثمارات، ولكن للدخول إلى عصر جديد من:
اقتصاد البيانات.
اقتصاد المدن الذكية.
اقتصاد الإنذار المبكر.
واقتصاد الوقاية من الكوارث.
من حرائق الجزائر إلى مستقبل مصر
ربما تبدو المسافة بين حريق في الجزائر واتفاقية تعاون بين مصر والصين كبيرة.
لكن الحقيقة أن الرابط بينهما هو المستقبل.
العالم يحترق في أماكن، ويغرق في أماكن أخرى، ويواجه موجات حرارة وسيولًا وأزمات غير مسبوقة.
وفي المقابل، تتسابق الدول على التكنولوجيا.
ليس من أجل الرفاهية فقط.
بل من أجل البقاء.
وهنا تقف مصر أمام فرصة مهمة.
فبدلًا من أن ننتظر الكارثة ثم نبحث عن الحل، لماذا لا نبني الحل قبل الكارثة؟
بدلًا من أن نستورد التكنولوجيا فقط، لماذا لا نوطنها؟
بدلًا من أن تكون المدن مجرد تجمعات سكانية، لماذا لا تتحول إلى مدن تستطيع حماية نفسها؟
ربما تكون زيارة الرئيس الصيني إلى مصر اليوم والاتفاقيات المرتقبة أو الموقعة بين البلدين أكثر من مجرد حدث سياسي أو اقتصادي عابر.
ربما تكون بداية لسؤال أكبر:
هل تستطيع مصر أن تحول التكنولوجيا إلى قوة تحمي اقتصادها من كوارث المستقبل؟
فالحرائق التي نراها اليوم في دولة شقيقة قد تكون رسالة.
رسالة تقول إن العالم تغير.
وأن المستقبل لن يكون للأسرع في إطفاء الحريق فقط...
بل للأذكى في اكتشاف الشرارة قبل أن تتحول إلى نار.
ومن هنا، ربما تبدأ المعادلة الجديدة لمصر:
شراكة دولية + تكنولوجيا متقدمة + كوادر مصرية + إدارة استباقية للمخاطر = اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
فهل تكون الكارثة القادمة مجرد خبر نشاهده... 
أم تكون فرصة نتعلم منها قبل أن تصل إلينا.

تم نسخ الرابط