الصنعة الحديثية ونقد الفتاوى.. أبرز محاور دورة «منهجية الفتوى»
تواصل دورة «منهجية الفتوى» فعالياتها التدريبية، في إطار اهتمام دار الإفتاء المصرية بتأهيل المفتين وإكسابهم الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لممارسة العمل الإفتائي، بما يجمع بين سلامة الاستدلال، ودقة التصور، وفهم الواقع، والقدرة على التعامل مع النصوص الشرعية والقضايا الفكرية، فضلًا عن إتقان مراحل تحرير الفتوى ومراجعتها ونقدها، بما يحقق قدرًا أكبر من الانضباط في الأداء الإفتائي.
جاء ذلك خلال فعاليات الدورة، التي تضمنت ثلاث محاضرات تناولت جوانب متكاملة من صناعة الفتوى، حيث حاضر الأستاذ الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، حول «الصنعة الحديثية وأثرها في الفتوى»، فيما تناول الدكتور عمرو الشال، مدير عام الإدارة العامة للأبحاث الشرعية، «منهج دار الإفتاء المصرية في الفتاوى الفكرية»، واختتم الشيخ علي السعيد، مدير إدارة إعداد المفتين، بمحاضرة حول «تحرير الفتاوى ومعايير نقدها»، بما يعكس تنوع موضوعات البرنامج التدريبي وارتباطها بمراحل صناعة الفتوى من التحقق من النصوص وفهمها، إلى معالجة القضايا الفكرية، وصولًا إلى تحرير الحكم الشرعي ومراجعته وتقويمه.

وأوضح الدكتور أحمد نبوي أن الصنعة الحديثية تمثل أحد الضوابط العلمية الأساسية التي يحتاج إليها المفتي في بناء الحكم الشرعي، مبينًا أن السُّنة النبوية تحتل مكانة أساسية في استنباط الأحكام، وأن التعامل مع الأحاديث لا يكون بمجرد الاطلاع على نصوصها، وإنما يتطلب معرفة دقيقة بقواعد علم الحديث ومناهج المحدثين في التحقق من الروايات ونقدها، خاصة أن الأحاديث تتفاوت من حيث الصحة والضعف والقبول والرد، حيث إن شروط الحديث الصحيح تتمثل في اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وانتفاء الشذوذ، وانتفاء العلة، موضحًا أن دور المحدث في التحقق من ثبوت الحديث يسبق دور الفقيه في استنباط الحكم منه، وهو ما يؤكد ضرورة التكامل بين التخصصين، إذ لا يمكن بناء استدلال فقهي سليم على رواية لم يثبت أصلها، كما لا يغني ثبوت الحديث وحده عن فهم دلالته وتنزيله في موضعه الصحيح، مشيرًا إلى مسألة اختلاف المذاهب والاجتهادات الفقهية، وأن عدم تقيد الفتوى بمذهب واحد لا يعني التسيب أو التفلت، وإنما يتيح الاستفادة من الاجتهادات المعتبرة في إطار الضوابط العلمية والأصول الشرعية، بما يراعي اختلاف أحوال المكلفين وسَعة الشريعة ومرونتها.
وبيَّن الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن عناية المحدثين بالسنة لم تقتصر على نقد الأسانيد، وإنما شملت المتون كذلك، لافتًا الانتباه إلى أن الحكم على بعض الروايات قد يستند إلى قرائن تتعلق بمتونها، بما يدحض التصور القائل باقتصار الصنعة الحديثية على دراسة سلسلة الرواة متناولًا جوانب من منهج الإمام البخاري في «صحيحه»، وأنه لا يضم الأحاديث المسندة فحسب، وإنما يشتمل كذلك على المعلقات وتراجم الأبواب التي تحمل دلالات فقهية وعلمية، الأمر الذي يستدعي فهم منهج المصنف ومقاصده عند قراءة الكتاب.
كما شدد على ضرورة التمييز بين النص وفهم النص، وأن الخلل قد لا يكون في النص الشرعي، وإنما في طريقة فهمه أو إخراجه عن سياقه ومقاصده، وهو ما يظهر في بعض القراءات المنحرفة التي تستند إلى نصوص صحيحة لكنها توظفها في غير موضعها. واختتم حديثه ببيان أن امتلاك المفتي قدرًا مناسبًا من الصنعة الحديثية يحمي عملية الاستدلال من البناء على الروايات غير الثابتة، كما يحول دون رد الأحاديث الصحيحة بسبب عدم الإحاطة بمناهج المحدثين، مؤكدًا أن المفتي الراسخ هو الذي يجمع بين فقه الفقيه ودقة المحدث ليبني فتواه على حديث ثابت وفهم صحيح ودلالة منضبطة.

وتناول الدكتور عمرو الشال مدير عام الإدارة العامة للأبحاث الشرعية مفهوم الفتوى الفكرية وطبيعتها، موضحًا أن الفتوى في أصلها لا تقتصر على الأحكام العملية المتعلقة بالحلال والحرام، وإنما تمتد إلى القضايا الاعتقادية والفكرية التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي وتصحيح التصورات، مشيرًا إلى أن طبيعة هذا النوع من الفتاوى تفرض على المفتي امتلاك أدوات خاصة تمكنه من التعامل مع الأفكار والشبهات والتيارات المختلفة بصورة علمية واعية، وأن الفتاوى الفكرية تتجاوز مجرد بيان حكم جزئي إلى معالجة تصورات ومفاهيم قد تكون مرتبطة بصورة الإسلام في أذهان الناس، ولذلك فإنها تحتاج إلى منهجية علمية منضبطة، وموضوعية وتجرد في دراسة القضية، والابتعاد عن الانطباعات والأحكام المسبقة، مشيرًا إلى أهمية مراعاة فقه الأمة ووحدة المجتمع عند معالجة القضايا الفكرية، بحيث تستهدف الفتوى تصحيح التصورات وحماية البناء الديني والفكري للمجتمع، لا أن تتحول معالجة الخلاف إلى سبب لمزيد من الانقسام أو الفرقة، فضلًا عن ضرورة مراعاة طبيعة المخاطبين ومستوى إدراكهم عند تقديم الحكم الشرعي حتى يصل الخطاب بصورة واضحة ويحقق الغرض منه.
وأشار مدير عام الإدارة العامة للأبحاث الشرعية إلى أن منهج دار الإفتاء المصرية في الفتاوى الفكرية يستند إلى مجموعة من المرتكزات العلمية، يأتي في مقدمتها التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة، بما يشمله من مدارس علمية معتبرة، مع الجمع بين الدليل النقلي والنظر العقلي المنضبط، إلى جانب التكامل بين الفقه والتصوف باعتبار أن العلم الشرعي لا ينفصل عن التزكية والسلوك، وضرورة الاحتياط في مسائل التكفير وعدم التوسع فيها بما يؤدي إلى تفتيت المجتمع وإشاعة الفرقة، فضلًا عن ضرورة الاطلاع على الفكر الإنساني المعاصر لفهم التيارات والأفكار الحديثة، ومعرفة تاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية من خلال مصادرها ومصنفاتها قبل الحكم عليها أو مناقشة أفكارها، موضحًا أن الفتوى الفكرية أصبحت ضرورة لحماية الوعي الديني والهُوية الوطنية في ظل سرعة تداول الأفكار وانتشار الشبهات والمفاهيم المغلوطة، وهو ما يقتضي من المفتي الجمع بين قوة الدليل العقلي والنقلي، ودقة المنهج، والموضوعية، وفهم الواقع، وحسن عرض الفكرة، بما يعزز دور الفتوى في تصحيح المفاهيم وترسيخ خطاب ديني يقوم على العلم والوسطية والاعتدال ويحافظ على وحدة المجتمع.
من جانبه استعرض الشيخ علي السعيد، مدير إدارة إعداد المفتين عن بُعد، مفهوم تحرير الفتوى ومراحل إعدادها، موضحًا أن التحرير لا يقتصر على الصياغة النهائية للجواب، وإنما يمثل عملية علمية متكاملة تبدأ بفهم السؤال وتصوير الواقعة تصويرًا دقيقًا، ثم تكييفها فقهيًّا وإلحاقها بنظائرها، والبحث في حكمها ومراجعة الأدلة والأقوال، وصولًا إلى صياغة جواب واضح ودقيق يناسب الواقعة والمستفتي وبين أن نقد الفتوى لا ينبغي أن يفهم باعتباره تجريحًا أو انتقاصًا من صاحبها، وإنما هو ممارسة علمية تستهدف تقويم الأداء والكشف عن مواطن القوة والخلل، بما يحافظ على سلامة الحكم الشرعي ومكانة الفتوى، مشيرًا إلى أن الاجتهاد قد يكون محل مراجعة وتصحيح إذا ظهر ما يقتضي ذلك، وأن الرجوع إلى الصواب من مقتضيات الأمانة العلمية، مشيرًا إلى أسباب تغير الفتوى، ومنها الخطأ في تصوير السؤال، أو عدم انضباط التكييف الفقهي، أو عدم تحقق المصلحة أو دفع المفسدة، أو إغفال مآلات الفتوى وآثارها، إلى جانب تغير الأعراف والعادات أو عدم ملاءمة الحكم للواقع وظروف المستفتي، وأن سلامة الحكم في ذاته لا تعني بالضرورة ملاءمته لكل واقعة دون النظر في سياقها وملابساتها.
وأوضح مدير إدارة إعداد المفتين عن بُعد، أن مراجعة الفتاوى وتقويمها ينبغي أن تتم وفق معايير علمية واضحة تمنع التسرع أو التأثر بالهوى والتشهي، وتحقق قدرًا من الاتساق في الخطاب الإفتائي، مشيرًا إلى أن هذه المراجعة تسهم في الحد من أخطاء الاستدلال، وتعزيز ثقة الجمهور بالمؤسسة الإفتائية، وتطوير أداء المفتين من خلال التقييم والتغذية الراجعة البناءة، فالمفتي الناجح هو الذي يتعامل مع المراجعة والنقد العلمي باعتبارهما وسيلة لتطوير أدواته وتحسين أدائه، لا باعتبارهما انتقاصًا من مكانته، وأن «تحرير الفتوى صنعة، ونقدها أمانة»، وأن الجمع بين جودة التحرير ودقة المراجعة يمثل أحد أهم الضمانات للوصول إلى فتوى رشيدة ومنضبطة، خاصة أن القول في الحلال والحرام مسؤولية تقتضي أعلى درجات التثبت والدقة وحسن النظر في الأدلة والواقع ومآلات الأحكام.
وتعكس هذه الموضوعات المتنوعة تكاملًا واضحًا في مسارات التأهيل الإفتائي، إذ تجمع بين التثبت من النصوص الشرعية وإحكام أدوات الاستدلال، والقدرة على التعامل مع القضايا الفكرية والعقدية والشبهات المعاصرة، وإتقان مراحل تحرير الفتوى ومراجعتها ونقدها، بما يعزز بناء المفتي المؤهل علميًّا ومنهجيًّا والقادر على التعامل مع النوازل والقضايا المستجدة، كما تسهم هذه المنهجية في ترسيخ ممارسة إفتائية تقوم على الجمع بين قوة الدليل وصحة التصور وفهم الواقع ومراعاة مقاصد الشريعة وأحوال المستفتين، وصولًا إلى فتوى رشيدة ومنضبطة تحافظ على ثقة الجمهور وتواكب تحديات الواقع المعاصر.

