أسماء أبو شادي تكتب: حين يسبق الرقم صاحبه إلى قفص الاتهام
هناك تفاصيل صغيرة في حياتنا اليومية قد تبدو عادية، لكنها في لحظة واحدة يمكن أن تتحول إلى أزمة حقيقية تقلب حياة إنسان رأسًا على عقب.
ومن أخطر هذه التفاصيل أن يكتشف مواطن أن هناك خطوط هاتف محمول مسجلة باسمه، رغم أنه لم يستخرجها ولم يستخدمها ولا يعرف عنها شيئًا.
السؤال هنا ليس فقط: كيف تم تسجيل هذه الخطوط؟
السؤال الأخطر: ماذا يحدث لو استُخدم أحد هذه الخطوط في واقعة جنائية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا وجد المواطن نفسه متهمًا في قضية بسبب رقم هاتف لا يعرفه من الأساس؟
هذه ليست مبالغة ولا تخويفًا، لأن الواقع شهد بالفعل وقائع أثارت مخاوف واسعة لدى المواطنين بشأن إمكانية استخدام خطوط مسجلة بأسماء أشخاص لا علاقة لهم بها، وما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية خطيرة.
ومن هنا، يصبح ملف الخطوط المسجلة دون علم أصحابها قضية رأي عام تستحق فتحها على أوسع نطاق، وليس مجرد مشكلة إدارية بين المواطن وشركة الاتصالات.
المواطن عندما يذهب لاستخراج خط هاتف، من الطبيعي أن يخضع لإجراءات للتأكد من هويته، ويتم تسجيل بياناته وفقًا للقواعد المعمول بها.
لكن إذا ظهرت بعد ذلك خطوط أخرى على بياناته دون أن يعلم عنها شيئًا، فهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا: أين كانت إجراءات التحقق؟ ومن المسؤول عن تسجيل الخط؟ وكيف مرّت هذه البيانات من دون موافقة صاحبها؟
الأمر يصبح أكثر خطورة عندما نعرف أن رقم الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال. الهاتف أصبح مرتبطًا بحسابات بنكية، ومحافظ إلكترونية، وخدمات حكومية، وتطبيقات ومواقع إلكترونية، وأصبح في كثير من الأحيان أحد أهم مفاتيح تحديد هوية صاحبه.
وبالتالي، فإن تسجيل خط باسم شخص دون علمه قد لا يسبب له مجرد إزعاج، وإنما قد يضعه أمام أضرار قانونية ومادية ومعنوية بالغة.
والأخطر من ذلك أن المواطن قد يجد نفسه مطالبًا بإثبات شيء لم يفعله أصلًا.
وهنا تظهر قضية الطالب عمرو عمارة، التي أثارت حالة واسعة من الجدل، بعدما ارتبط الحكم الصادر بحقه بظهور خطوط هاتف محمول مسجلة باسمه، وفق ما تم تداوله عن القضية.
وبعيدًا عن تفاصيل الحكم وأسبابه التي يجب أن تُقرأ في ضوء أوراق القضية كاملة، فإن مجرد وصول الأمر إلى احتمال معاقبة شخص بسبب خطوط يقول إنها ليست له، يفرض علينا التوقف أمام السؤال الأكبر: هل منظومة تسجيل الخطوط قادرة بالفعل على حماية المواطن من أن يُنسب إليه رقم لم يستخرجه؟
إذا ثبت أن الخطوط التي ظهرت باسم أي مواطن لم يتم استخراجها بمعرفته أو موافقته، فلا يجوز أن يُترك وحده في مواجهة آثار هذا الخطأ.
بل يجب أن تكون هناك آلية واضحة وسريعة للتحقق، تبدأ من شركات الاتصالات والجهات التنظيمية، ولا تنتهي بمجرد إلغاء الخط من قاعدة البيانات.
نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لقواعد بيانات شركات المحمول، وليس مجرد مطالبة المواطن بأن يكتشف بنفسه ما إذا كانت هناك أرقام مجهولة مسجلة باسمه. يجب أن تكون هناك آلية سهلة تمكن كل مواطن من معرفة الخطوط المسجلة على بياناته، والإبلاغ عن أي خط لا يخصه، مع فتح تحقيق في كيفية تسجيله من الأساس.
والأهم أن الأمر يحتاج إلى مساءلة وتعويض.
فإذا ثبت أن مواطنًا تعرض لضرر بسبب تسجيل خط باسمه دون علمه أو موافقته، فمن حقه أن يحصل على تعويض مادي عادل عن الأضرار التي لحقت به، خاصة إذا ترتب على الأمر اتهام أو حبس أو خسائر مالية أو أضرار نفسية واجتماعية.
أما في الحالات التي ترتب عليها ضرر قضائي بالغ، فيجب ألا يكون التعامل معها مجرد حذف رقم من قاعدة بيانات.
نحن أمام حقوق وحريات وسمعة ومستقبل أشخاص.
وفي حالة عمرو عمارة تحديدًا، فإن الدعوات إلى إعادة فحص الواقعة والتحقق من ملكية الخطوط التي استندت إليها القضية، يجب أن تجد طريقها إلى الجهات المختصة، فإذا ثبت بالفعل أن تلك الخطوط لم تكن تخصه وأنها سُجلت باسمه دون علمه أو إرادته، فهنا لا يكفي أن نقول إن هناك خطأ حدث.
الخطأ الذي يسلب إنسانًا حريته لا يُعالج باعتذار.
الحكومة مطالبة بفتح هذا الملف، ليس دفاعًا عن شخص بعينه، وإنما حماية لكل مواطن يمكن أن يجد نفسه غدًا في الموقف نفسه.
نحن لا نطالب بإعفاء أحد من المسؤولية إذا ثبتت إدانته، ولا نتدخل في عمل القضاء، لكننا نطالب بمنظومة تحقق عادلة لا تجعل رقم هاتف مجهولًا دليلًا كافيًا وحده على مسؤولية شخص عنه، ولا تجعل المواطن مطالبًا بإثبات براءته من شيء لم يفعله.
المطلوب اليوم مراجعة شاملة لمنظومة تسجيل خطوط المحمول، وتشديد إجراءات التحقق من الهوية، ومحاسبة من يثبت تقصيره، ووضع آلية فورية لإلغاء الخطوط غير المعروفة، مع حفظ حق المتضررين في التعويض.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا أمام الحكومة والجهات التنظيمية هو:
إذا كان المواطن يستطيع أن يكتشف فجأة أن هناك خطًا باسمه لم يستخرجه، فمن يضمن ألا يتحول هذا الخط غدًا إلى دليل ضده في قضية لا علاقة له بها؟
هذه ليست أزمة خطوط محمول فقط.
إنها أزمة ثقة.
وثقة المواطن في أن بياناته مصونة، وأن اسمه لا يمكن أن يُستخدم في شيء لم يفعله، وأن الدولة لن تتركه وحده يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه.
فإذا كان المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، فدور الحكومة أن تحميه، لا أن تطلب منه بعد وقوع الضرر أن يثبت أنه بريء.
