رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

حدث غير مسبوق.. كاميرات العلماء ترصد الأرض وهي تخلق قشرة جديدة في أعماق المحيط

الكرة الأرضية
الكرة الأرضية

في إنجاز علمي يُعد من أبرز الاكتشافات الجيولوجية خلال السنوات الأخيرة، نجح فريق دولي من الباحثين في رصد عملية تكوّن قشرة محيطية جديدة بشكل مباشر لأول مرة في التاريخ، وذلك في أعماق المحيط الهندي، حيث وثقت أجهزة علمية متطورة لحظة خروج الصخور المنصهرة من باطن الأرض وتشكيل طبقة جديدة من القشرة الأرضية.

ويمثل هذا الحدث نقلة نوعية في علوم الأرض، إذ طالما اعتمد العلماء على الأدلة غير المباشرة والنماذج النظرية لفهم كيفية تشكل قاع المحيطات، قبل أن ينجحوا أخيرًا في مشاهدة هذه العملية أثناء حدوثها، في خطوة قد تُعيد رسم كثير من المفاهيم المتعلقة بديناميكية كوكب الأرض.

على عمق آلاف الأمتار تحت سطح مياه المحيط الهندي، كانت الأرض تمارس واحدة من أهم عملياتها الطبيعية بعيدًا عن أنظار البشر، وهي إعادة بناء سطحها من جديد.

وللمرة الأولى، تمكن العلماء من توثيق هذه الظاهرة النادرة بشكل مباشر، بعدما رصدوا تشكل قشرة محيطية جديدة أثناء وقوعها، وهو ما اعتبره خبراء الجيولوجيا حدثًا استثنائيًا يفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية تطور الكوكب عبر ملايين السنين.

جزيرة أمستردام.. مختبر طبيعي لدراسة باطن الأرض

وقع الاكتشاف بالقرب من جزيرة أمستردام الفرنسية الواقعة جنوب المحيط الهندي، وهي منطقة تشتهر بنشاطها الجيولوجي الكبير، حيث يلتقي الحيد المحيطي الفاصل بين الصفيحة الأسترالية والصفيحة القطبية الجنوبية.

واختار العلماء هذا الموقع بعناية لأنه يُعد واحدًا من أكثر الأماكن نشاطًا على سطح الأرض، إذ يشهد حركة مستمرة للصفائح التكتونية، إلى جانب الثورات البركانية العميقة والينابيع الحرارية التي تكشف عن التغيرات الدائمة في قاع المحيط.

وفي فبراير 2024، نشر فريق البحث مرصدًا بحريًا متطورًا مزودًا بخمسة أجهزة هيدروفون فائقة الحساسية، صُممت خصيصًا لرصد الاهتزازات والزلازل والأصوات الصادرة من أعماق الأرض.

ولم تمض سوى أسابيع قليلة حتى بدأت الأجهزة في تسجيل إشارات غير مألوفة، معلنة بداية حدث جيولوجي انتظره العلماء لعقود طويلة، حيث بدأت الأرض في تكوين جزء جديد من قشرتها أمام أعين الباحثين.

زلازل متتابعة وهبوط مفاجئ لقاع البحر

في مساء السادس والعشرين من أبريل 2024، سجلت المنطقة سلسلة من الزلازل المتلاحقة، تزامنت مع هبوط مفاجئ لقاع البحر بلغ نحو 4.2 متر خلال أيام قليلة، بينما حدث الجزء الأكبر من هذا الانخفاض خلال أقل من أربعين دقيقة.

ورجح الباحثون أن هذا التغير لم يكن نتيجة انهيار أرضي، وإنما بسبب تفريغ خزان هائل من الصهارة يقع على عمق يقارب 3.6 كيلومتر أسفل القشرة الأرضية، حيث اندفعت الصخور المنصهرة عبر الشقوق إلى أعلى، تاركة فراغًا أدى إلى هبوط الطبقات الصخرية الواقعة فوقها.

ولم تقتصر الأدلة على النشاط الزلزالي فقط، بل سجلت أجهزة الرصد ارتفاعًا واضحًا في درجة حرارة مياه البحر بعد دقائق من الهبوط الكبير لقاع المحيط، وهو ما اعتبره العلماء مؤشرًا مباشرًا على وصول الحمم البركانية إلى قاع البحر.

ومع ملامسة الحمم للمياه الباردة، بدأت في التصلب بسرعة، مكونة طبقة جديدة من القشرة المحيطية، وهي العملية الطبيعية التي ظلت تبني قيعان المحيطات منذ مئات الملايين من السنين.

كيف تتشكل قيعان المحيطات؟

تعرف هذه الظاهرة علميًا باسم تمدد قاع البحر، وهي عملية جيولوجية تتباعد خلالها الصفائح التكتونية عن بعضها البعض، مما يسمح بخروج الصهارة من باطن الأرض لملء الفراغ الناتج.

وبعد وصول الصهارة إلى سطح القاع، تبرد وتتصلب لتتحول إلى قشرة محيطية جديدة، بينما تتحرك القشرة الأقدم تدريجيًا بعيدًا عن مركز الحيد المحيطي، في دورة مستمرة تعيد تشكيل سطح الأرض باستمرار.

ورغم أن هذه الظاهرة مسؤولة عن تكوين نحو ثلثي سطح الكرة الأرضية، فإن العلماء لم يتمكنوا من مراقبتها بشكل مباشر من قبل، بسبب وقوعها في أعماق يصعب الوصول إليها.

على مدى عقود، اعتمد الباحثون على مؤشرات غير مباشرة لإثبات تكون القشرة المحيطية، مثل دراسة أعمار الصخور والأنماط المغناطيسية الموجودة في قاع المحيطات، دون أن يتمكنوا من مشاهدة الحدث نفسه.

لكن الدراسة الجديدة غيرت هذا الواقع، بعدما قدمت أول تسجيل مباشر للحظة تشكل قشرة محيطية جديدة أثناء حدوثها، وهو ما اعتبره خبراء الجيوفيزياء تحولًا كبيرًا في فهم ديناميكية باطن الأرض.

ورغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى استمرار وجود بعض التحديات التقنية، خاصة فيما يتعلق بدقة قياس أعماق الزلازل والتغيرات الدقيقة في تضاريس قاع البحر.

بداية عصر جديد في دراسة كوكب الأرض

ويرى العلماء أن هذا الإنجاز يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الأبحاث المتعلقة بحركة الصفائح التكتونية، والنشاط البركاني في أعماق البحار، وآليات تشكل القشرة الأرضية، بما يساعد على فهم أفضل لتاريخ كوكب الأرض ومستقبله الجيولوجي.

اقرأ أيضاً.. هل ترتفع أسعار الأدوية بعد تطبيق التتبع الدوائي؟.. الجهات الرسمية تحسم الجدل

تم نسخ الرابط