اقتصاد أمريكا أمام اختبار جديد.. الفيدرالي يثبت الفائدة للمرة الخامسة على التوالي
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75% للمرة الخامسة على التوالي، مواصلًا نهج التريث في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتباين مؤشرات الاقتصاد الأمريكي.
وأظهر الاقتصاد الأمريكي قدرة على الصمود أمام مجموعة من التحديات، شملت تشديد سياسات الهجرة، وفرض رسوم جمركية جديدة، والتوترات الجيوسياسية التي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع وأثرت على سلاسل الإمداد العالمية، دون أن ينزلق إلى حالة ركود اقتصادي حتى الآن.
ورغم هذا الأداء، لم تنعكس متانة الاقتصاد على تحقيق أبرز الوعود الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي مقدمتها خفض الأسعار، وإعادة تنشيط الوظائف الصناعية، وتحسين مستوى معيشة الطبقة المتوسطة، وذلك قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وكشف تحليل أعدته وكالة «رويترز» أن الاقتصاد الأمريكي تمكن من تجنب الركود الذي توقعه عدد من الاقتصاديين، لكنه دخل في مرحلة من التباطؤ النسبي والجمود في بعض القطاعات، وسط تصاعد المخاطر المرتبطة بالرسوم الجمركية، وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
تراجع قوة العمل والتوظيف في أمريكا
أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكي تراجع حجم قوة العمل بنحو 1.3 مليون شخص منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فيما انخفض عدد العاملين بنحو 1.5 مليون شخص، متأثرًا بتشديد قيود الهجرة، وتوسيع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب تأثير شيخوخة السكان على المعروض من العمالة.
وأشار التقرير إلى أن انخفاض تدفقات العمالة الوافدة، بالتزامن مع التغيرات الديموغرافية، أدى إلى تقليص عدد الأفراد القادرين على شغل الوظائف، وهو ما زاد الضغوط على سوق العمل خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن التعديلات التي أجريت على تقديرات السكان مطلع عام 2026 صعّبت مقارنة بيانات التوظيف الحالية بالسنوات السابقة، ما دفع مكتب الإحصاءات الأمريكي إلى إعداد سلسلة بيانات تجريبية تمتد حتى عام 2020 لتوفير صورة أكثر دقة واتساقًا لتطورات سوق العمل.
التصنيع والذكاء الاصطناعي يغيران خريطة الوظائف
وأظهرت بيانات الرواتب تراجع عدد العاملين في قطاع التصنيع مقارنة بمستويات نهاية ولاية الرئيس السابق جو بايدن، رغم تعهدات الإدارة الأمريكية بإحياء الصناعة وزيادة فرص العمل داخل المصانع.
وفي المقابل، شهدت الولايات المتحدة توسعًا كبيرًا في الاستثمارات الموجهة إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وهو ما دعم نشاط قطاع التشييد والبناء، بينما ظل تأثير تلك الاستثمارات على الإنتاج الصناعي وخلق وظائف دائمة محدودًا حتى الآن.
كما سجل القطاع الحكومي انخفاضًا في عدد العاملين، تماشيًا مع سياسة الإدارة الرامية إلى تقليص حجم الحكومة، في حين واصلت قطاعات الخدمات والرعاية الصحية والمطاعم استقطاب النسبة الأكبر من الوظائف الجديدة.
التضخم في أمريكا
وأشار التقرير إلى أن خفض التضخم، الذي كان أحد أبرز الوعود الانتخابية للرئيس ترامب، لا يزال يواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بالمستهدف الرسمي للاحتياطي الفيدرالي.
وأوضح أن معدل التضخم، رغم تراجعه عن مستويات الذروة التي أعقبت جائحة كورونا، لا يزال أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2%، وسط تزايد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.
وساهمت الرسوم الجمركية الجديدة في رفع أسعار عدد من السلع المستوردة، بينما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل عقب الحرب على إيران إلى زيادة تكاليف الطاقة والنقل، في حين عززت الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي الضغوط السعرية نتيجة ارتفاع الطلب على المعدات والبنية التحتية.
ورأى عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن استمرار هذه العوامل قد يؤدي إلى انتقال زيادات الأسعار بين مختلف القطاعات، بما يرفع احتمالات اتساع موجة التضخم خلال الأشهر المقبلة.
وأظهرت المؤشرات استمرار الإنفاق الاستهلاكي في دعم الاقتصاد الأمريكي، إلا أنها سجلت تباطؤًا في نمو الدخل الشخصي الحقيقي المتاح للإنفاق، مع تراجعه خلال بعض الفترات الأخيرة.
ويُعد الدخل الشخصي المتاح بعد خصم الضرائب من أهم المؤشرات التي تعكس قدرة الأسر الأمريكية على الإنفاق، إذ يشمل الأجور ومدفوعات الضمان الاجتماعي وغيرها من مصادر الدخل المستخدمة في تغطية تكاليف المعيشة.
وأشار التقرير إلى أن استمرار الإنفاق الاستهلاكي رغم تباطؤ نمو الدخل قد لا يكون مستدامًا على المدى الطويل إذا استمرت الضغوط التضخمية عند مستوياتها الحالية.
بيانات التضخم والفائدة
وأظهرت البيانات ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 3.5% خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في يونيو الماضي، مقارنة بارتفاع بلغ 4.2% في مايو، بما يعكس استمرار التضخم فوق المستهدف الرسمي للاحتياطي الفيدرالي.
وارتفع مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 2.6% على أساس سنوي، مقابل 2.9% في مايو الماضي.
وكشف محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المنعقد يومي 16 و17 يونيو الماضي عن تزايد مخاوف صناع السياسة النقدية بشأن التضخم، فيما أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير، مع تصاعد التوقعات بإمكانية رفعها خلال عام 2026 إذا استمرت الضغوط التضخمية.



