رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

في ذكرى رحيلة …حكاية عبد الله أبو الغيط ابن الشرقية من الأمية إلى كتابة المصحف في رحلة ألهمت الآلاف

في ذكرى رحيله.. قصة الشيخ عبد الله أبو الغيط من الأمية لكتابة المصحف

الشيخ عبدالله ابو
الشيخ عبدالله ابو الغيط الذي خط المصحف الشريف بيده

تحل الذكرى الثانية لرحيل الشيخ عبد الله أبو الغيط، ابن عزبة القوقة التابعة لقرية الصوة بمركز أبوحماد بمحافظة الشرقية، لتستحضر الأذهان واحدة من أكثر قصص الكفاح والإرادة إلهامًا، بعدما نجح في تحويل حلم بدا مستحيلًا إلى إنجاز استثنائي، إذ انتقل من الأمية وعدم القدرة على القراءة والكتابة إلى كتابة المصحف الشريف بالرسم العثماني ثلاث مرات، وشرع في إعداد نسخة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، واضعًا نصب عينيه خدمة كتاب الله ونشر معانيه.

وُلد الشيخ عبد الله أبو الغيط عام 1956، وعمل بالأزهر الشريف، إلا أن ظروف الحياة حرمته من فرصة التعليم في طفولته، وظل لسنوات طويلة لا يجيد القراءة أو الكتابة.

 غير أن هذا الواقع لم يكن نهاية الطريق، فبعد بلوغه الخمسين من عمره اتخذ قرارًا غيّر مجرى حياته بالكامل، وبدأ رحلة التعلم بإصرار وعزيمة، مؤمنًا بأن الإنسان قادر على تحقيق أحلامه مهما تأخر به العمر.

وكان الراحل يروي أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عقب تعرضه لوعكة صحية، حين نصحه الأطباء بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم، فكان ذلك دافعًا قويًا لتعلم القراءة.

 وفي عام 2005 بدأ خطواته الأولى على يد الشيخ عبد الله الجندي، المدير السابق لمنطقة الشرقية الأزهرية، الذي علمه الحروف الهجائية، ثم القراءة الصحيحة من المصحف الشريف، حتى أتم تلاوة القرآن الكريم كاملًا، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من الإنجاز.

ولم يكتفِ الشيخ عبد الله بإجادة القراءة، بل وجد تشجيعًا من عبد الفتاح علي لخوض تجربة كتابة آيات القرآن الكريم بخط اليد.

 وبدأ بقلم بسيط، ثم واصل تطوير أدواته بنفسه، فابتكر قوالب خاصة لرسم رؤوس السور وعلامات الأجزاء والأحزاب والأرباع وأرقام الآيات، كما استخدم أنواعًا مختلفة من الأحبار لإبراز الكلمات والعلامات، وحرص على تعلم قواعد الخط العربي والرسم العثماني على يد أحد الخطاطين، حتى بلغ مستوى مكنه من كتابة المصحف الشريف بدقة وإتقان.

واستغرقت كل نسخة من النسخ الثلاث التي كتبها نحو ثلاث سنوات من العمل المتواصل، في رحلة اتسمت بالصبر والدقة والالتزام، وكان يأمل أن تخضع هذه النسخ للمراجعة والاعتماد من لجنة مراجعة المصحف بالأزهر الشريف، لتكون ثمرة سنوات طويلة من الاجتهاد.

ولم تتوقف أحلامه عند هذا الحد، إذ بدأ العمل على كتابة نسخة من المصحف الشريف باللغة الإنجليزية، مستندًا إلى ترجمة معاني القرآن الكريم، مع مراجعتها لغويًا لضمان الدقة، كما كان يخطط للبدء في كتابة نسخة أخرى باللغة الفرنسية، إيمانًا منه بأهمية إيصال معاني القرآن الكريم إلى غير الناطقين باللغة العربية.

وكان الشيخ عبد الله أبو الغيط يؤكد دائمًا أن هدفه لم يكن الشهرة أو الظهور، وإنما ابتغاء وجه الله تعالى، وأن تكون هذه المصاحف صدقة جارية بعد وفاته، حيث كان يعتزم إهداءها إلى مكتبات المساجد والمدارس والجامعات، لتظل شاهدًا على رحلة إنسان آمن بأن الإرادة الصادقة قادرة على صناعة المستحيل.

وفي أحاديثه الأخيرة، كان يوصي الجميع باستثمار أوقاتهم في تلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته، مؤكدًا أن القرآن هو دستور الأمة ومصدر عزتها، وأن التمسك به سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.

ورغم مرور عامين على رحيله، لا تزال قصة الشيخ عبد الله أبو الغيط حاضرة في ذاكرة أبناء محافظة الشرقية وكل من عرف سيرته، باعتبارها نموذجًا استثنائيًا للإصرار والتحدي، ورسالة تؤكد أن النجاح لا يرتبط بعمر أو ظروف، وإنما بعزيمة لا تعرف اليأس، وأن خدمة كتاب الله شرف عظيم يبقى أثره خالدًا ما بقيت آيات القرآن الكريم تتلى على مر الزمان.

رحم الله الشيخ عبد الله أبو الغيط، وجعل ما قدمه في خدمة القرآن الكريم في ميزان حسناته، وأبقى سيرته نبراسًا يلهم كل من يسعى إلى تحقيق حلمه مهما بدت الطريق شاقة أو مستحيلة.

تم نسخ الرابط