عندما أطلق أحمد سالم الرصاص على أسمهان
أسمهان.. مطربة تمتلك صوتًا عذبًا، وكان عمرها الفني سبع سنوات فقط، لكنها كانت كافية لتقتحم الصفوف الأولى وتهز عرش الكبار.
ولم يتجاوز رصيدها السينمائي فيلمين، كانا كل ما تركته على شاشة السينما، لكن حياتها خلف الكاميرات كانت أكثر إثارة من أي فيلم.
البداية
وُلدت أسمهان في جبل الدروز بسوريا في 25 نوفمبر 1917، واسمها الحقيقي آمال فهد فرحان الأطرش، وهي الشقيقة الصغرى لفريد الأطرش.
هاجرت مع أسرتها إلى القاهرة وهي في العاشرة من عمرها، ومنذ ظهورها الأول في فيلم «انتصار الشباب» إلى جوار شقيقها فريد الأطرش، أدرك الجميع أنهم أمام موهبة استثنائية؛ فلم يكن جمالها وحده هو ما خطف الأنظار، بل صوتها المختلف وحضورها الطاغي، حتى أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أهم مطربات جيلها.
رجال في حياة أسمهان
لكن النجاح لم يكن الفصل الوحيد في حياتها. تزوجت من ابن عمها الأمير حسن الأطرش، إلا أن الغيرة كانت أسرع من الحب، فانتهت الزيجة الأولى بالانفصال، قبل أن يعودا إلى بعضهما مرة أخرى، لتنجب منه ابنتها الوحيدة كاميليا، لكن الخلافات عادت من جديد، وهذه المرة كانت النهاية بلا رجعة.
وارتبط اسمها بالمخرج أحمد بدرخان، وتردد وقتها أنها تزوجته لأيام ثم انفصلت عنه، كما ارتبط اسمها بأحمد حسنين باشا، رئيس الديوان الملكي.
وفي القدس دخل رجل جديد إلى حياتها، هو أحمد سالم، المخرج والمنتج والإذاعي، وصاحب العبارة الأولى التي انطلقت بها الإذاعة المصرية: «هنا القاهرة».
كانت تلك الزيجة الأكثر صخبًا وإثارة في حياة أسمهان.
أحبها أحمد سالم بجنون، لكن غيرته عليها لم تكن تقل عن حبه، وتحولت المشاحنات بينهما إلى مشاهد لا تقل درامية عن الأفلام.
عندما أطلق أحمد سالم الرصاص على أسمهان
في إحدى الليالي، عادت أسمهان إلى المنزل في وقت متأخر، فاشتعلت الخلافات بينهما واحتد النقاش، وللمرة الأولى شعرت بالخوف من زوجها، وعندما حاولت الهرب منه، وقبل أن تصل إلى الباب، أخرج أحمد سالم مسدسه وأطلق الرصاص، لكنه لم يصبها.
استغاثت أسمهان بإحدى صديقاتها، التي كانت تسكن بجوارها، ومن هاتف منزلها اتصلت باللواء سليم زكي، حكمدار بوليس القاهرة، وكانت صديقة له ولأسرته، وأخبرته أن أحمد سالم حاول قتلها.
وعلى الفور انتقلت قوة من الشرطة إلى الفيلا، بقيادة اليوزباشي محمد إمام، في محاولة لاحتواء الموقف وتهدئة أحمد سالم.
وما إن دخل محمد إمام الفيلا حتى وجد أحمد سالم ممددًا على فراشه ممسكًا بمسدسه. حاول تهدئته، لكنه حذره من الاقتراب منه، وظل يكيل الشتائم لأسمهان.
وبينما كان اليوزباشي يحاول إقناعه بترك المسدس، اقترب منه، وفي لحظة انقض على أحمد سالم محاولًا الإمساك باليد التي تحمل السلاح، لكن الأمور خرجت عن السيطرة، وانطلقت عدة رصاصات من المسدس؛ أصابت إحداها اليوزباشي محمد إمام، بينما استقرت رصاصة أخرى في صدر أحمد سالم، بجوار الرئة.
ونُقل الاثنان إلى مستشفى القصر العيني؛ أحمد سالم تحت الحراسة بعد القبض عليه، ووجهت إليه تهمة الشروع في قتل أسمهان، ومقاومة السلطات، وإطلاق الرصاص على محمد إمام أثناء تأدية واجبه.
وتعافى اليوزباشي وغادر المستشفى، بينما ظل أحمد سالم يتلقى العلاج، وبعد تعافيه عاش سنوات بعد حادث أسمهان، يحمل حبها في قلبه، والرصاصة في رئته، حيث استقرت بها ورفض الأطباء إخراجها.
مأساة أسمهان
حاولت أسمهان أن تعود إلى السينما، التي لم يكن في رصيدها منها سوى فيلم واحد، وانشغلت بتصوير فيلمها الثاني «غرام وانتقام»، وقبل أن تنتهي من تصويره، استأذنت يوسف وهبي، مؤلف الفيلم ومخرجه وبطله، في إجازة قصيرة، وقالت إنها ستقضي يومين في رأس البر ثم تعود لاستكمال تصوير باقي مشاهدها.
وفي الطريق، سقطت السيارة التي كانت تستقلها في ترعة بطلخا، فغرقت أسمهان، وغرقت معها صديقتها ماري قلادة، بينما نجا السائق بعدما قفز من السيارة قبل سقوطها في المياه.
وأثار اختفاء السائق بعد الواقعة مباشرة، وتضارب الروايات، كثيرًا من الشائعات، حتى إن أسرة أسمهان نفسها شككت في أن ما جرى لم يكن قضاءً وقدرًا، بل حادثًا مدبرًا.
وبذلك أُسدل الستار على حكاية أسمهان، التي كانت أكثر درامية من أفلام السينما.
وبعد وفاتها اضطر يوسف وهبي إلى الاستعانة بممثلة بديلة لاستكمال فيلم «غرام وانتقام»، الذي عُرض عام 1944، بينما بقيت أغاني أسمهان فيه، ومن أشهرها «ليالي الأنس في فيينا».
مأساة أحمد سالم
في منتصف ليلة الأربعاء 21 أغسطس 1949، شعر أحمد سالم بألم شديد في معدته، فاستدعى صديقه الدكتور إسماعيل السباعي، الذي أخبره بأنها الزائدة الدودية، فنُقل إلى عيادة الدكتور عبد الله الكاتب، الذي رأى أن يكون التخدير موضعيًا، نظرًا لوجود رصاصة في رئته، وخشية أن يؤدي التخدير الكلي إلى إصابته بالتهاب رئوي.
ومع إصرار أحمد سالم، اضطر الدكتور عبد الله الكاتب إلى تخديره تخديرًا كليًا، وأجرى له عملية استئصال الزائدة الدودية في عشر دقائق، واتخذ جميع الاحتياطات التي تمنع إصابته بالالتهاب الرئوي، وحقنه بالبنسلين، لكن شاء القدر أن يتسرب ميكروب إلى رئته، وبات الأطباء يحاولون طرد شبح الموت عن سريره.
وفي إحدى ليالي أغسطس، حاول الانتحار بإلقاء نفسه من نافذة المستشفى، لكن أحد الممرضين أمسك به وأعاده إلى سريره. وبعدها بأسبوعين، توفي في 10 سبتمبر 1949، عن عمر ناهز 39 عامًا.
رحل أحمد سالم، ورحلت أسمهان في 14 يوليو 1944، لكنها تركت وراءها لغز وفاتها، وصوتًا لم يغب، وحياة كانت بكل تفاصيلها أكثر درامية من أي فيلم قدمته أو شاهدته على الشاشة.